إذا كانت الحلقة الأولى من سعادة المجنون قد وضعت البذور، فإن الثانية بدأت تحصد توترها العاطفي والنفسي. هنا تتقدّم الشخصيات النسائية إلى الواجهة، لتؤكد أن الصراع ليس حكراً على الرجال ولا على السلطة القانونية، كما لتؤكد أن العمل لا يكتفي بسرد حكاية رجل خرج من مصحٍّ نفسي، بل يكتب بياناً درامياً عن السلطة، الجنون، والعدالة حين تتبدّل مواقعها.
سلافة معمار: الهدوء الخطير
سلافة معمار، بشخصية ليلى، تدخل المشهد بثقل درامي واضح. حضورها ليس صاخباً، لكنه مشحون بطاقة تكبتها. ليلى لا تبحث عن مواجهة آنية بقدر ما تسعى إلى نبش الماضي وكشف أسراره، وكأنها تمسك بخيط الحقيقة وسط شبكة من الأكاذيب. الأداء متزن، عميق، يشي بتاريخ طويل من الألم غير المعلن.
عابد فهد وسلافة معمار… “أخاصمك آه”
وشكلّت مواجهتها مع أوس من تجسيد عابد فهد في الكاراج، مشهداً درامياً بين ممثلين كبيرين، حمل الكثير من الجدية والطرافة في آن، والتناقض بين غضب ليلى المخبأ واستفزاز أوس المعلن، والذي توجه بالرقص على وقع أنغام “أخاصمك آه” لنانسي عجرم.
الأب والابنة… خيانة في المقبرة
مشهد المقبرة كان من أكثر اللحظات تأثيراً. لقاء أوس بابنته مريم (ولاء عزام) حمل تناقضاً عاطفياً حاداً: دفء ظاهر، وشكّ خفي. الحوار جاء مكثفاً، لا يصرّح بكل شيء، بل يلمّح إلى مؤامرة أكبر من تهمة قتل “صبا عزت”. في المقابل، برودة سارة (دلع نادر) تجاه والدها شكّلت صفعة نفسية، أكدت أن الجريمة — سواء وقعت أم لُفّقت — خلّفت ندوباً عميقة لا تُشفى بسهولة.
الذروة الصادمة جاءت مع خيانة مريم. استعادة الأموال من “الدب المحنّط” كانت مشهداً يجمع بين الرمزية والدهاء، قبل أن ينقلب المشهد في النهاية ويكتشف أوس أن أقرب الناس إليه سرقه. هذه المفارقة تُعيد تعريف مفهوم الثقة في المسلسل: لا أحد بريء تماماً، ولا أحد آمن بالكامل.
عابد فهد يقدّم “جنوناً ذكياً”
ولا بد من الإشارة إلى أن خروج أوس صبري من المصح ليس حدثاً عادياً في سياق القصة، بل لحظة تأسيسية تُعاد فيها صياغة موازين القوى. الأداء هنا لا يعتمد على الصراخ أو المبالغة، بل على برودة محسوبة، نظرات ثابتة، وحضور طاغٍ يوحي بأن الشخصية تمشي بخطوات مدروسة حتى في أكثر لحظاتها التباساً. عابد فهد يقدّم “جنوناً ذكياً”، يربك الجميع قبل أن يربك خصومه.
باسم ياخور وعابد فهد (سوشيال ميديا)
باسم ياخور… تماسك الآداء
وتمثلت واحدة من من أهم الانعطافات الدرامية في انتقال “أشرف” (باسم ياخور) من المحاماة إلى سلك القضاء. هذا التحول ليس تفصيلاً مهنياً، بل تصعيد ذكي في البناء الدرامي. فجأة، يصبح الصراع عائلياً وقانونياً في آنٍ واحد. باسم ياخور يقدّم شخصية متماسكة، بصرامة القاضي وارتباك الأخ، ويمنح النص مساحة أخلاقية رمادية لا تُصنِّف أحداً بسهولة.
الإخراج: دراما تؤجل الإجابات وتُغري المتلقي
الحلقة الثانية تثبت أن العمل لا يعتمد فقط على حبكة مفاجآت، بل على بناء طبقات نفسية عميقة. نحن أمام دراما تعرف كيف تؤجل الإجابات، وتُغري المتلقي بمزيد من الأسئلة. وينجح الإخراج في الحفاظ على هذا الغموض من دون إفراط في التوضيح، ما يفسر بنية الحلقة الأولى التي فكّت شيفرتها الثانية، في نمط يضع المشاهد شريكاً في الشك. الصورة تميل إلى الألوان الباردة، بما يعكس العزلة النفسية للشخصيات، فيما الموسيقى التصويرية تُبقي التوتر قائماً حتى في اللحظات الصامتة.
العمل ينجح في تقديم عالم درامي تتشابك فيه الروابط العائلية مع القانون، والحب مع الانتقام، والجنون مع الحسابات الباردة. الإخراج يحافظ على إيقاع متصاعد من دون الوقوع في فخ الميلودراما، ويمنح الممثلين مساحات أداء حقيقية تُظهر خبرتهم وثقلهم الفني.
باختصار، الحلقة الثانية لا تكتفي بإضافة حدث جديد، بل تعمّق الرهان الفني للمسلسل. نحن أمام دراما تشويقية تعرف كيف تُخفي أوراقها، وتكشفها في اللحظة التي تضمن فيها أقصى درجات الصدمة. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد النهاية: من يخدع من فعلاً؟ المجنون… أم من يظنه مجنوناً؟
.jpg)
عابد فهد (سوشيال ميديا)

