اعتبر الاقتصادي نجيب أقصبي أن الحديث الرسمي عن “المغرب الصاعد” يصطدم بواقع اجتماعي صعب يعيشه ملايين الشباب، مؤكدا أنه “لا يمكن أن يكون البلد صاعدا والشباب راكد ويعاني”، في مفارقة تعكس، حسب تعبيره، تناقض الخطاب مع المؤشرات الميدانية.
وأوضح أقصبي، خلال ندوة حقوقية نظمتها اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك “جيل زد”، أن مطالب شباب “جيل زد” لسنة 2026 ليست سوى امتداد لمطالب الأجيال السابقة، وتتلخص في “العيش الكريم”، بما يشمله من تعليم وتكوين جيدين، وشغل لائق، وصحة، وسكن، وإمكانية الزواج وتأسيس أسرة، إلى جانب مطالب ثقافية ورياضية وترفيهية.
وأكد أن جزءا من أزمة الشباب اليوم لا يرتبط فقط بالشروط المادية، و إنما يمتد إلى أبعاد نفسية ووجودية، مشيرا إلى أنه “منذ سنة 2000 لا يمكن إنكار حصول تقدم نسبي في بعض القطاعات، كالتعليم والصحة وبعض المرافق”، غير أن هذا التقدم، بحسبه، “يبقى نسبيا”، ولا يواكب تطور الحاجيات الاجتماعية.
وسجل الاقتصادي أن “المطالب الاجتماعية ليست جامدة، بل تتطور بتطور المجتمع والاقتصاد”، موضحا أن الانفتاح وتدفق الصور والمقارنات اليومية عبر العالم يجعل الشاب المغربي يقارن وضعه بأقرانه في أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا، ما يخلق حاجيات جديدة وتطلعات متزايدة، مشددا على أن “الشعور بالحرمان قد يكون اليوم أقوى مما كان عليه في سنوات سابقة”، في مفارقة توازي بين التقدم النسبي واتساع فجوة التوقعات.
وفي معرض انتقاده للخطاب الرسمي، اعتبر أقصبي أن الترويج لفكرة “المغرب الصاعد” يضع أصحابه أمام تناقض صارخ، قائلا إن البلد لا يمكن أن يتقدم في ظل استمرار هشاشة أوضاع شبابه، الذين يمثلون ثقلا ديمغرافيا أساسيا.
واستند المتحدث إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط، مبرزا أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة يناهزون 11 مليون شخص، أي حوالي 30 في المائة من سكان المغرب، ما يجعل أي اختلال يطال هذه الفئة ذا أثر بنيوي على المجتمع ككل.
وعلى مستوى التعليم، أشار إلى استمرار إشكالية الهدر المدرسي، موضحا أن نسبة مهمة من التلاميذ يغادرون المدرسة مبكرا، وأن نسبة الذين يتمدرسون في الابتدائي ويكملون جزءا من الإعدادي دون مشاكل لا تتجاوز 66 في المائة، ما يعني أن 34 في المائة لا يتمكنون من استكمال هذه المرحلة في ظروف عادية.
كما توقف عند معطى الأمية، الذي لا يزال، بحسب الأرقام الرسمية، في حدود 28 في المائة من السكان، ويرتفع إلى 45 في المائة في العالم القروي، ويبلغ 36 في المائة في صفوف النساء، معتبرا أن “هذه المؤشرات تكشف عمق الاختلالات البنيوية التي تطال الرأسمال البشري”.
وفي نفس السياق أبرز أقصبي خطورة فئة الشباب الذين لا يتابعون تعليما ولا تكوينا ولا يشتغلون، المعروفين بـ“NEET”، مشيرا إلى أن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يقدر عددهم، بين 15 و34 سنة، بحوالي 4,3 ملايين شاب، واصفا الرقم بـ“المهول” والدال على عمق الأزمة.
أما بخصوص سوق الشغل، فأوضح أن الإشكال لا يقتصر على معدل البطالة المعلن في حدود 13 في المائة، بل يتجاوز ذلك إلى ضعف نسبة النشاط الاقتصادي، إذ إن ملايين المغاربة في سن العمل لا يُحتسبون ضمن الساكنة النشيطة.
وأضاف أن بطالة الشباب بين 15 و24 سنة تصل إلى 37 في المائة، وهو معدل يعكس، حسب قوله، حجم الانسداد الذي تواجهه هذه الفئة.
وخلص أقصبي إلى أن معالجة أوضاع الشباب تقتضي تجاوز الشعارات إلى سياسات عمومية منسجمة، لأن استمرار الفجوة بين الخطاب والواقع، في نظره، لا يهدد فقط الثقة في المؤسسات، وإنما يعمق أيضا الإحساس بالحرمان لدى جيل يمثل ثلث المجتمع المغربي.

