تخيل أن تستيقظ يوماً لتجد نفسك متهماً بارتكاب جريمة، وأمامك آلة تقرر مصير حياتك خلال 90 دقيقة فحسب، بلا محامٍ، ولا هيئة محلفين، ولا أي فرصة للطعن. هذا هو العالم الذي يصوره فيلم Mercy (رحمة) للمخرج الكازاخستاني تيمور بكمامبيتوف، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي حاكماً بلا رحمة، والعدالة مقيدة بخوارزميات رقمية.
لا يقدم العمل مجرد إثارة مستقبلية، بل يضع المشاهد أمام سؤال فلسفي خطر: هل يمكن للآلة أن تفهم الرحمة؟
البداية
تدور أحداث الفيلم في لوس أنجليس عام 2029، في مجتمع ديستوبي حيث باتت المحكمة المركزية – Mercy Capital Court – مؤتمتة بالكامل، كل متهم يقيد في كرسي الرحمة ويواجه محاكمة مدتها 90 دقيقة أمام القاضية الذكية مادوكس (ريبيكا فيرغسون)، يتم تحديد احتمالية ذنب المتهم رقمياً عبر “مقياس الذنب”، مما يجعل البراءة مشروطة بإثباتها خوارزمياً وليس افتراضها.
ويصبح المحقق كريس ريفن (كريس برات)، أحد مبتكري نظام الرحمة، الحالة القصوى للاختبار، حين يجد نفسه متهماً بقتل زوجته نيكول (آنابيل واليس)، من دون أي ذاكرة لما حدث.
هنا، لا يقيد كرسي الرحمة جسده فحسب، بل يعكس أيضاً القيود المعرفية والفلسفية للبشر في مواجهة سلطة الذكاء الاصطناعي.
يستخدم الفيلم لقطات عدة من كاميرات المراقبة والطائرات المسيرة وكاميرات الجسم وتسجيلات الهواتف الشخصية، لإظهار كل حدث وكأنه يحدث أمامنا في الوقت الحقيقي، هذا الأسلوب لا يضيف فقط الإثارة البصرية، بل يثير التساؤل حول مدى دقة وحيادية الذكاء الاصطناعي في تقييم الحقيقة، ويظهر كيف أصبح الإنسان رهينة لمراقبته الرقمية المستمرة.
يتعمق العمل في التوتر بين الحدس البشري والمنطق الخوارزمي، مادوكس، القاضية الرقمية، تجسد البعد البارد للآلة: عليمة، ومحايدة، وكفؤة، لكنها محدودة بالمعايير البشرية المسبقة، هذا يطرح أسئلة أساسية عن قابلية الخطأ في العدالة المعتمدة على البيانات، وإلغاء الإجراءات القانونية الواجبة، والكلفة الأخلاقية للكفاءة الرقمية.
في المقابل، يختزل “مقياس الذنب” تعقيداً أخلاقياً وقانونياً كاملاً إلى احتمال رقمي، ليصبح المتهم رقماً بين 0 و100، مما يسلط الضوء على الأخطار الحقيقية للعدالة الرقمية: تقلص إنسانيتنا أمام منطق الخوارزميات، وتحويل الأخطاء المحتملة إلى أحكام نهائية قاتلة، هنا، يظهر الذكاء الاصطناعي في الفيلم كخصم ومرآة في آن، يعكس تواطؤ المجتمع في تفويض قرارات حياتية حرجة إلى الآلة.
الأداء
يضفي أداء برات على الفيلم العمق الإنساني، حيث تظهر هشاشته وسط قيود كرسي الرحمة، بينما تجسد مادوكس، على رغم كونها كياناً رقمياً، السلطة المغرية للآلة. الشخصيات المساندة مثل جاك (كالي ريس) وبريت (كايلي روجرز) تضيف أبعاداً أخلاقية وعاطفية، وتوضح التأثير الشخصي والاجتماعي للسيطرة التقنية على الحياة اليومية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التفاعل بين الإنسان والآلة ليس مجرد سرد قصصي، بل هو استدعاء فلسفي للنقاشات المعاصرة حول حوكمة الخوارزميات، والتنبؤ الإجرامي، واعتماد المجتمع على الذكاء الاصطناعي من دون مساءلة.
في مقابلة له، قال برات “أردت أن أكون مقيداً بالكرسي لمدة تصل إلى 50 دقيقة متواصلة، لأشعر بالضيق والعزلة، لم أستطع الاعتماد على أسلوبي المعتاد، إذ أعتمد عادة على خفة الظل والبساطة، هنا الأمر جاد”، هذا الجهد يضفي على أدائه إحساساً بالضغط الواقعي، ويجعل تجربة المشاهد أكثر صدقاً.
من الناحية البصرية، اعتمد المخرج على تقنية Screenlife، وهو أسلوب سردي شهير استخدمه فيلم Unfriended (2014) وHost (2020)، إذ تروى القصة بالكامل تقريباً عبر شاشات الحواسيب والهواتف وكاميرات المراقبة.
يرفع بكمامبيتوف الأسلوب إلى مستوى جديد: الكاميرات الشخصية، ولقطات الطائرات المسيرة، وكاميرات المحال، والكاميرات الأمنية في الشوارع، حتى كاميرا جار على شرفة، جميعها تسهم في خلق عالم رقمي مترابط تحكمه البيانات اللحظية.
لا يقتصر الأسلوب على جذب العين، بل يعكس شعور ريفن بالعجز وسط تدفق هائل من المعلومات، نحن، كمشاهدين، نشارك القلق ذاته: كل شيء مسجل، كل شيء مراقب، ولا مجال لإخفاء شيء أمام خوارزمية قضائية.
ومع ذلك، يوازن الفيلم بين الإثارة البصرية والتوتر الأخلاقي، على رغم أن تصعيد النهاية نحو الأكشن المكثف يقلل أحياناً من العمق الفلسفي.
على رغم ذلك ينجح Mercy في تقديم سيناريو مستقبلي محتمل، يطرح تساؤلات عاجلة: هل يمكن للعدالة أن تفصل بواسطة الخوارزميات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما كلفة ذلك على الإنسانية؟
يتخذ الفيلم مسار الإثارة والتشويق، لكنه يطرح تساؤلات مهمة عن مجتمعنا الحالي، العدالة الرقمية ليست مجرد فكرة خيالية، فالذكاء الاصطناعي بات جزءاً من أنظمة الشرطة والرقابة في العالم الواقعي.
إذ أشار تقرير مجلس اللوردات البريطاني إلى استخدام تقنيات التعرف إلى الوجه لمساعدة الشرطة في تحديد المجرمين، مع تحذيرات حول التأثيرات في الحقوق المدنية والخصوصية، وفي الوقت ذاته تتسارع تطويرات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، مع خطط لاستخدامه في توقع الجرائم قبل وقوعها.
صراع
يجعل الفيلم المشاهد يعيش صراعاً على مستوى شخصي: نحن نتابع ريفن وهو يحاول تبرير نفسه أمام جهاز لا يفهم الحزن أو الحب أو الخوف، ويجعلنا نسأل أنفسنا عن حدود حكم الآلة.
في الواقع السؤال لا يخص ريفن وحده، بل يخص كل مجتمع يتجه نحو الرقمنة الكاملة للعدالة، إذ تستبدل الحكمة الإنسانية بالمؤشرات الرقمية والخوارزميات.
يترك الفيلم سؤالاً مزعجاً: إذا بدت آلة العدالة معصومة نظرياً فحسب، فمن يملك بعد ذلك القدرة على إظهار الرحمة؟
هذا السؤال ليس مجرد استفسار قصصي، إنه استدعاء مباشر للنقد الذاتي للمجتمع الرقمي الحديث: هل سنبقى نحن البشر قادرين على التعاطف، على إدراك التعقيد الأخلاقي، على تقييم الحالات الفردية خارج القالب الرقمي؟ أم أننا سنصبح مجرد متفرجين، نشاهد قراراتنا وقرارات الآخرين تختزل إلى أرقام، بلا رأفة، وبلا رحمة، وبلا إنسانية؟
هي رؤية مستقبلية تحذيرية: الذكاء الاصطناعي قادر على تحقيق الكفاءة، لكنه عاجز عن العدالة الإنسانية، والقوة الحقيقية للفيلم تكمن في جعلك، كمشاهد، تواجه هذه الحقيقة المزعجة، وتتساءل عن حدود التقنية وضرورة وجود الإنسان كحارس أخلاقي في أي نظام قضائي مستقبلي.

