عمان- الغد- تعد مؤسسات المجتمع المدني والاتحادات والجمعيات ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الوطنية، في المملكة، شريكا أساسيا بتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، بخاصة في مواجهة الأزمات الإقليمية والسياسية.اضافة اعلان
ففي ظل التحديات التي تشهدها المنطقة، تظهر هذه المؤسسات، قدرة على التأثير الإيجابي عبر المشاركة بعمليات الإصلاح السياسي، وتقديم الدعم للمتأثرين بالأزمات، وتعزيز ثقافة التسامح والعدالة الاجتماعية.
وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها، مثل القيود التشريعية والإدارية أحيانا، تواصل مؤسسات المجتمع المدني دورها الحيوي بتعزيز المشاركة السياسية، ومراقبة الأداء الحكومي، وتقديم توصيات لتحسين السياسات العامة ودعم سبل التماسك الاجتماعي، والمواقف الرسمية للمملكة.
وتعرضت المملكة منذ العام 2011، إلى عدة تحديات وأزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية، تخللها موجات لجوء سوري واضطرابات إقليمية سياسية، وصولا إلى الحرب الشرسة للاحتلال الصهيوني على قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.
أدوار محورية لبناء التضامن المجتمعي
وترى رئيسة الاتحاد النسائي الأردني العام سابقا د.لانا كريشان، أن العديد من مؤسسات المجتمع المدني، تناط بها أدوار في دعم الجبهة الداخلية ومساندة الدولة خلال الأزمات، في ظل التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها الدولة الأردنية.
وأشارت كريشان التي انتخبت مؤخرا كرئيسة للاتحاد النسائي في معان عبر حديث لـ”الغد”، إلى أن الحاجة الملحّة تبرز لتعزيز الجبهة الداخلية وتحصينها، ليس فقط عن طريق مؤسسات الدولة الرسمية، بل أيضا بإشراك قوى المجتمع الحية، من اتحادات وجمعيات ومؤسسات مجتمع مدني. فهذه الكيانات تمثل صوت الناس، وجسرا فاعلا بين الدولة والمواطنين، وشريكا إستراتيجيا في تحقيق الاستقرار والتنمية.
ومن أبرز الأدوار التي تقع على عاتق المجتمع المدني، وفقا لكريشان، تعزيز الوعي وبناء اللحمة الوطنية في المجتمع، عبر حملات التثقيف والنشاطات الإعلامية، والبرامج التوعوية، وكذلك ترسيخ قيم المواطنة، والانتماء، والوحدة الوطنية، بخاصة في أوقات الأزمات، حين يكون المجتمع عرضة للشائعات والانقسامات.
وتقول كريشان ” إنه إضافة لذلك، تعمل هذه المؤسسات على نشر ثقافة الحوار والتفاهم، وتشجيع الحلول السلمية للنزاعات الاجتماعية، ما يسهم ببناء مجتمع أكثر تماسكا وتفاهما”.
ومن بين الأدوار الأخرى للمؤسسات الوطنية والمجتمع المدني، ترى كريشان، ضرورة دعم مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة بها، عبر مساندة منظمات المجتمع المدني لمؤسسات الدولة، وتأمين الدعم الشعبي لها وتعزيز ثقة المواطن بها، بخاصة في فترات التوتر أو عدم الاستقرار، إذ تؤدي هذه المنظمات دور الوسيط الذي ينقل هموم المواطنين للجهات الرسمية، ويسهّل فهم السياسات العامة وتقبّلها من المجتمع، كما تساعد هذه الكيانات بتقريب وجهات النظر بين الدولة والمجتمع، عبر الحوار البنّاء والفعال، وتسهم باحتواء الأزمات ومنع تصاعدها.
تعزيز الاستقرار الداخلي
وفي مستوى ثالث، تؤكد كريشان، ضرورة تدخل مؤسسات المجتمع المدني بشكل فعّال في الأزمات الاجتماعية والإنسانية، حين تتعرض الدولة لأزمة طبيعية أو إنسانية أو اقتصادية، أكان ذلك عبر المساعدات الغذائية والطبية، أو حملات الإغاثة والتطوع، أو حتى الدعم النفسي والمعنوي للمتضررين. وتعمل هذه الجهود، على تخفيف الأعباء عن مؤسسات الدولة، وتسريع عملية التعافي.
ولعل تعزيز الاستقرار الاجتماعي وبناء العدالة، من أهم الأدوار لدى مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية كالجمعيات والنقابات بتمكين الفئات المهمّشة، مثل الشباب، النساء، وذوي الإعاقة، عن طريق برامج تنموية وتوعوية، ما يعزز العدالة الاجتماعية، ويحدّ من مسببات التوتر المجتمعي. كما تسهم بخلق فرص عمل، ودعم المبادرات الاقتصادية الصغيرة، مما يسهم بالحد من الفقر والتهميش.
ولا ينفصل دور الرقابة والمساءلة من أجل الحوكمة الرشيدة، عن أساس عمل المجتمع المدني، كما تقول كريشان التي تعد من الشخصيات النسائية القيادية، إذ يؤدي المجتمع المدني دورا رقابيا مهما، عن طريق متابعة أداء المؤسسات الحكومية، والمطالبة بالشفافية، ومحاربة الفساد، والمشاركة في إعداد السياسات العامة، وهو ما يعزز من كفاءة الأداء الحكومي، ويقوّي ثقة الناس بمؤسساتهم.
وتؤكد كريشان، أن مؤسسات المجتمع المدني ليست كيانا ثانويا في المنظومة الوطنية، بل هي شريك جوهري بالحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، ورافعة للتنمية، وداعم فعّال للدولة في مواجهة الأزمات والتحديات. وعبر تعزيز هذا الدور، وبناء جسور الثقة والتعاون بين الدولة وهذه المؤسسات، يمكن تحقيق مجتمع أكثر عدالة واستقرارا، وأكثر قدرة على الصمود والنهوض.
استجابة شاملة
ويعد الأردن من الدول التي تقع في قلب التحديات الإقليمية، أكان من حيث موقعه الجغرافي المحاط بالصراعات، أو بسبب استقباله لموجات لجوء متتالية، بالإضافة إلى ضغوط داخلية ناتجة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ما يعني بروز أهمية الدور الذي تؤديه مؤسسات المجتمع المدني والاتحادات والجمعيات بالحفاظ على التماسك المجتمعي، وبناء جسور الثقة والاستقرار، وفقا لكريشان.
ويواجه الأردن تحديات مركّبة، منها تحديات إقليمية: مثل تداعيات الأزمة السورية، والصراع الفلسطيني مع الكيان الصهيوني، والاضطرابات في بعض دول الجوار، وكذلك تحديات داخلية: كارتفاع معدلات البطالة، والفقر، وتفاوت التنمية بين المحافظات، وفقا لكريشان، إذ تعد ضغوطا على النسيج الاجتماعي، وتتطلب استجابة شاملة من جميع مكونات الدولة، بما في ذلك المجتمع المدني.
ودعت كريشان لتوسيع الفضاء المدني عبر قوانين وتشريعات أكثر مرونة، وتفعيل الشراكات بين المؤسسات الأهلية والحكومية والقطاع الخاص، وبناء قدرات المجتمع المدني عن طريق التدريب والدعم الفني، بالإضافة لتعزيز مشاركة المواطنين بصياغة وتنفيذ البرامج المجتمعية.
مؤسسات وطنية حقوقية
بدوره، أشار الخبير في مجال الحماية الدولية لحقوق الإنسان المحامي كمال المشرقي، لأهمية عمل مؤسسات المجتمع المدني بمواجهة الأزمات، وللدور الإستراتيجي والمسؤوليات التي تضطلع بها. وفي ضوء ما يشهده العالم من أزمات داخلية وخارجية متشابكة، تتنوع بين تحديات اقتصادية، واضطرابات اجتماعية، وصراعات سياسية، بات دور مؤسسات المجتمع المدني، أكثر حيوية وأهمية من أي وقت مضى، بحسبه.
سلطة مستقلة شريكة
ويقول المشرقي، إن المجتمع المدني، بوصفه سلطة مستقلة، يعد ركيزة محورية بتعزيز التماسك الوطني، وحماية الحقوق، وبناء قدرات المجتمعات على الصمود والتعافي، إذ تتمثل أدواره في أوقات الأزمات على عدة مستويات رئيسة، من بينها: الاستجابة السريعة للاحتياجات المجتمعية، لا سيما في الفئات الهشة والضعيفة، عن طريق تقديم المساعدات المباشرة أو الخدمات الأساسية التي قد تعجز القطاعات الرسمية عن تلبيتها في لحظات الطوارئ، وفي رصد تداعيات الأزمات وتأطيرها من منظور إنساني وحقوقي، ما يسهم بضمان شفافية المعالجة وعدالتها. وكذلك مناصرة السياسات العامة والمشاركة بصياغة استجابات وطنية عادلة وشاملة، وخلق توازن بين مقتضيات الأمن والاستقرار ومتطلبات الحقوق والعدالة الاجتماعية، وتعزيز الحماية الاجتماعية عن طريق برامج توعية، وتقديم الدعم النفسي، والتمكين الاقتصادي.
وأكد المشرقي في حديثه لـ”الغد”، أن الاعتراف بالمجتمع المدني كسلطة فاعلة قائمة بذاتها، متطلب أساسي، لما لهذه المؤسسات من أدوار ومسؤوليات تكمّل وتراقب في الوقت ذاته، أداء السلطات الرسمية، وتسدّ الفجوات في المساحات التي تعجز فيها الدولة عن الوصول أو الاستجابة.
توسيع الحيز المدني
من هنا، يرى المشرقي، أن توسيع الحيّز المدني وضمان استقلاليته، شرط أساسي لتفعيل دوره، كما يتطلب ذلك توفير بيئة قانونية وتشريعية ملائمة، ورفع القيود الإدارية، وتوفير التمويل المستدام، وتسهيل الوصول للمعلومات، وإشراك منظمات المجتمع المدني بصياغة السياسات وتقييم أثرها.
وأضاف المشرقي “إن هذا التمكين، لا يخدم فقط المجتمع المدني ككيان، بل يصب مباشرة بتعزيز منظومة الصمود الوطني، وقدرة المجتمعات على التصدي للأزمات بفعالية وتضامن”. وأثبتت التجارب الإقليمية والدولية، وفقا للمشرقي، بأن إشراك المجتمع المدني في مراحل ما قبل وأثناء وما بعد الأزمات، يعزز من قدرة الدول على التعافي المستدام، كما يسهم ببناء الثقة بين المواطنين والدولة، ويخلق مساحات حقيقية للحوار والرقابة والمساءلة.
ورأى أن دور المجتمع المدني بحماية وتعزيز حقوق الإنسان، لا يتوقف عند الرصد والمناصرة حسب، بل يشمل التوعية والتثقيف المجتمعي، والتوثيق، وتمكين الأفراد وخصوصا الفئات الأكثر عرضة للإقصاء والتمييز من الوصول لحقوقهم، والدفاع عنها بوسائل قانونية وسلمية، وهو بهذا المعنى، شريك فاعل في حماية الكرامة الإنسانية وتعزيز مبدأ سيادة القانون، على حد تعبيره.
رفع الوعي ودعم قيم المواطنة
كما يشمل ذلك تعزيز دور المجتمع المدني بدعم سياسات الدولة ومواقفها الرسمية في الأزمات، وإعداد وتأهيل الأجيال القادمة، عبر بناء منظومات تعليمية ومجتمعية قائمة على قيم المواطنة والتسامح والمشاركة والعدل، إذ إن المجتمع المدني يسهم بتعزيز المواطنة الفاعلة، ورفع وعي الأفراد بدورهم في الشأن العام، وتوسيع مشاركتهم في عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك عبر المبادرات المجتمعية والتدريب، وبناء القدرات، والمشاركة برسم السياسات العامة.
وفي ظل السياق العالمي الحالي، الذي يشهد تحولات جذرية في قضايا الأمن الغذائي والمائي، وتغير المناخ، والتفاوت الاقتصادي والأزمات السياسية، فإن الحاجة باتت أكثر إلحاحا إلى مجتمع مدني قوي ومؤثر، يشكل صمام أمان في أوقات الأزمات، ويقود جهود الاستجابة والتأهيل والتعافي، ويشارك في بلورة حلول واقعية مستندة إلى احتياجات الناس، لا إلى أولويات النخبة وحدها.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.
الخميس, فبراير 19, 2026
اخر الأخبار
- مستقبل غزة والضفة وحل الدولتين تتصدر نقاشات جلسة بمجلس الأمن الدولي
- المجتمع الدولي بأسره يرفض ضم الضفة الغربية
- غراهام في ضيافة بن زايد لإنهاء التوتر بين السعودية والإمارات
- الشرع يصدر عفوا عاما ويستثني مرتكبي الانتهاكات بحقوق السوريين
- رونالدو العائد يترقب تعثر الهلال وبنزيمة في أول مواجهة ضد فريقه السابق الاتحاد | رياضة
- بيان مهم بشأن حالة الطقس اليوم 1 رمضان: ظاهرة جوية تضرب البلاد
- تطوير 3 حقول غاز في إيران بعد توقف 15 عامًا
- إطلالات الملكة رانيا الشتوية بستايل رسمي راقٍ من المعطف إلى البدلة المونوكروم

