لم يكن وداع زياد الرحباني حدثًا عابرًا في الذاكرة الثقافية اللبنانية، بل لحظة مفصلية طُويت معها حقبة من التعبير الفني والسياسي العميق.
رحل رجل لم يكن مجرّد فنان، بل صاحب خطاب مستقلّ، التزم طوال مسيرته بإحداث صدمة في المفاهيم السائدة، وطرح أسئلة لم يجرؤ كثيرون على مقاربتها.
من بيروت إلى بكفيا، أحاطت الجموع بالجثمان، لكن الحضور الحقيقي كان لفكره وإرثه.
زياد، حتى في الغياب، لم يكن هامشيًا. تقدّمه صوته، ترافقه عباراته، وتُستعاد مواقفه كمشهد ختامي لرجل لم يفصل يومًا بين الفن والواقع.
انطلقت مراسم التشييع صباحا (28 يوليو 2025) من مستشفى خوري في بيروت باتجاه كنيسة رقاد السيدة في بكفيا.
شارك في الجنازة فنانون، وسياسيون، ومثقفون، ومواطنون، وسط أجواء امتزج فيها الوجدان الشعبي مع الطابع الرمزي للمناسبة. الحضور الكثيف عكس موقع زياد في الوعي العام، وارتباطه بجيل كبير من اللبنانيين والعرب الذين وجدوا في فنه مرآة لواقعهم.
حضور فيروز
سُجّل ظهور نادر للسيدة فيروز، التي التزمت الصمت طوال مراسم التشييع. ظهورها، وإن التزَم الإطار العائلي، حمل دلالة وطنية عميقة، نظراً لما تشكلّه علاقتها بزياد من رمزية مركّبة، تتقاطع فيها الأمومة مع الفن، والتاريخ الشخصي مع الذاكرة الجماعية.
ورغم منح زياد وسام الاستحقاق اللبناني الفضي خلال مراسم التشييع، فقد برز غياب أي إعلان رسمي للحداد الوطني، أو تنكيس للأعلام. هذه المفارقة أعادت طرح تساؤلات متكرّرة حول تعامل الدولة مع رموزها الثقافية، خصوصًا أولئك الذين خاضوا مواجهات فكرية وفنية خارج الاصطفافات التقليدية.
وعبّرت مجموعة من الشخصيات السياسية، والثقافية، والفنية عن حزنها العميق لرحيل زياد الرحباني.
حيث قال وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة لـ”المشهد”: “زياد اختصار للفن، والفكرة، والنقد”.
وأضاف سلامة: “زياد الرحباني لم يكن مجرد فنان. كان اختصارًا كبيرًا للفن، والفكرة، والنقد الاجتماعي هو رجل استثنائي، ومختلف، وخارج عن المألوف في السياق العربي، ومع ذلك، يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من التجربة الرحبانية الواسعة والعميقة التي شكّلت ذروة في مسيرة الفن والموسيقى في المشرق العربي”.
وتابع: “صحيح أن زياد ينتمي إلى المدرسة الرحبانية، لكنه شكّل داخلها ظاهرة فريدة فهو لم يكررها، بل جدّد فيها، طوّرها، غيّر مساراتها، وفتحها على أجيال جديدة لم تكن ضمن خارطة الإنتاج الرحباني التقليدي وهذا ما يجعل من تجربته تجربة قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه امتدادًا حيًا لتاريخ فني وثقافي ممتد”.
ومن جانبه أكد نقيب الفنانين اللبنانيين جورج شلهوب أنه برحيل زياد الرحباني، فقد لبنان أحد آخر عمالقة المدرسة الرحبانية، بل أحد أعمدتها المتفرّدة مضيفا أن زياد لم يكن مجرد فنان، بل كان مؤسسة فكرية وثقافية قائمة بذاتها.
وأضاف شلهوب: “نؤمن أن فنه سيبقى، لأنه أكبر من أن يُختصر بزمن، أو يُحتجز في أرشيف، فنه حيّ، وصوته حيّ، وزياد باقٍ ما دام في هذه الأرض من يُحبّ الحرية ويؤمن بها”.
ومن جانبها قالت الفنانة نجوى كرم في تعزية الفنانة فيروز: “زياد ما رحل فعليا زياد حاضر بفنه، بصوته، بكلماته، بحضوره الطاغي اللي ما بيتكرّر، صبر قلبك لأنك أمّ أولًا، ولأنك أيقونة، ولأن زياد ابنك كان ابن الوطن كله، وصوت الحقيقة فينا كلنا”.
أما وزير الإعلام اللبناني بول مرقص فأكد أن “رحيل زياد الرحباني فاجعة وطنية وثقافية، ومناسبة أليمة تعجز أمامها الكلمات عن التعبير” وأضاف: “لبنان حزين، والعالم العربي أيضًا، لأننا فقدنا فنانًا لم يكن مجرد مبدع، بل حالة فكرية استثنائية طبعت الوعي الجمعي بأعمالها، وخلخلت السائد بأسلوبها الحرّ والجريء”.
إرث غني
وتابع مرقص: “ما يخفف من وطأة هذه الخسارة الجسيمة هو أن زياد ترك إرثًا غنيًا، خالدًا، لا يموت، أعماله ستبقى شاهدة على عصرٍ بكامله، وصوته سيظل حاضرًا في وجدان الأجيال، لكن مسؤوليتنا اليوم مضاعفة وعلينا أن نحسن استثمار هذا الإرث العظيم، وأن نحفظه ونجعله متاحًا وحيًا.
وقال النائب إبراهيم منيمنة لـ”المشهد”: “لا زياد بيشبه حدا، ولا لبنان، ولا السيّدة فيروز، بيشبهوا غير الرحابنة اليوم حزين جدًا، وصعب جدًا”
وتابع منيمنة: “كل واحد فينا حاسس كأنّه خسر قطعة من عمره، من ذاكرته، من وجدانه”. وأضاف: “ما صار في حداد رسمي، ولا إعلان يليق بحجم شخصية مثل زياد الرحباني، للأسف، هذا ليس جديدًا علينا، كم من مفكر، وفنان، ومبدع حقيقي ساهم في صنع وجه لبنان الثقافي، ولم يُكرَّم كما يجب؟”.
وأكد النائب ملحم خلف لـ”المشهد” في وداع الرحباني: “برحيل زياد، خسرنا جزءًا من ذواتنا خسارة من كينونتنا، ومن تلك المساحة الفكرية والوجدانية التي صنعها لنا بصوته وكلمته ونبضه الصادق”.
وأشار خلف إلى أن هذا اليوم لا يحمل فقط حزن الفقد، بل يحمل اللبنانيين مسؤولية كبيرة أن يكملوا المسيرة، وأن يحافظوا على تلك الأفكار التي لطالما تجاوزت الانقسامات، والمواقع الضيقة، والطوائف، لافتا إلى أنها أفكار كانت تذهب بلبنان إلى الوطن المأمول.
وقال نزار فرنسيس لـ”المشهد”: “في زمن يفيض بالكلام، كان هو يختار السكون ليقول ما لا يُقال لم يكن بحاجة إلى الضجيج كان يعبّر بالشعور، بالسكوت، بنظرة، بلحظة صادقة تعني أكثر من ألف كلمة كان أستاذًا في تبسيط الفلسفة، في تحويل المفاهيم العميقة إلى لغة نعيشها، نفهمها، ونحرّر بها أنفسنا من الزيف والتكرار”.
وأضاف: “أعطانا الفكرة مغلّفة بالبساطة، مغمّسة باليومي، لكنها محمّلة بالمعنى، زياد لم يكن يكتب للعرض، كان يكتب لنفهم، ونشعر، ونفكّر”.
“عشنا زمان زياد”
ومن جانبها صرحت الليدي مادونا لـ”لمشهد” قائلة: “لم يكن زياد حزينًا في أيامه الأخيرة فقط كان الحزن مقيمًا فيه منذ سنوات، لكنه لم يكن حزن الضعف، بل حزن الوعي، ووجع الصادق في زمنٍ يزداد زيفًا كان زياد متمرّدًا، مناضلًا، عانى كثيرًا، وتألم بصمت لكنه ظلّ يقاوم، بالكلمة، والموسيقى، والموقف، والوضوح الذي لا يعرف المساومة”.
وأضافت مادونا: “لم يعش حياة مرفّهة، بل حياة مقاومة فكرية وشخصية، وهذا ما صنع منه ظاهرة لا تتكرر، اليوم، ينعته البعض بالموسيقار، والبعض الآخر بالفنان، أو الشاعر، أو الفيلسوف، أو المفكر لكنني أقولها ببساطة زياد هو صوت الشعب”.
وبدوره قال الشاعر طلال حيدر لـ”المشهد”: “يصعب عليّ الكلام الصمت وحده يليق أمام رحيل قامة بحجم زياد الرحباني”، وأضاف “في بلد تحكمه الفوضى وتغيب عنه الدولة، كان ينبغي أن يُعلَن حداد وطني على هذا الفنان الاستثنائي، فما أقسى أن نُودّع من ربّى أجيالاً على الوعي، والنقد، والكرامة”.
بدورها قالت ريتا حايك لـ”المشهد”: “كنا محظوظين جدًا لأننا عشْنا في زمن زياد الرحباني، ربّانا على كلمته، على موسيقاه، على فكره الجريء، وعلى وطنيّته الصادقة، كان صوته سلاحًا، وكانت كلماته بسيطة بقدر ما كانت قاطعة وسليطة”.
كما أكد جوزيف عازر في تصريحات لـ”المشهد” أن رحيل زياد الرحباني خسارة كبيرة للبنان، وللعالم العربي كلّه.
مع رحيله، يغيب جسد صاحب التجربة، لكن تبقى لغته، ومواقفه، وموسيقاه، وثيقة حيّة عن زمن صاخب بالتناقضات. وداعه لم يكن نهاية، بل انتقالًا بفكره من الحضور الشخصي إلى الإقامة الدائمة في وجدان وطن لا يزال يبحث عن ذاته.
(المشهد)

