عندما أنهيت تصوير فيلمي الروائي “عائد إلى حيفا” عن رواية الكاتب الكبير والشهيد “غسان كنفاني” الذي اغتيل في بيروت 1973 كانت موسيقى الفيلم شغلي الشاغل. وكنت أتمنى أن تكون الموسيقى للموسيقار “زياد الرحباني” ولم أكن قريبا منه، وكانت له مجموعته الخاصة وحياته الخاصة.
ومع أن زياد الرحباني كان شيوعيا، ليس بالمعنى الماركسي، ولكن بالمعنى الوطني للشيوعية واليسار الأممي والمقاومة. ومع أن زياد الرحباني كان معجبا بشخصية الكاتب الروائي والقاص “غسان كنفاني” وكانت مجلته، مجلتنا الهدف، مبعث متابعة من كل مثقفي ووطنيي لبنان والمقاومة، ومنهم زياد الرحباني، إلا أن الاقتراب منه بمعنى العمل معه، أو أشراكه بالعمل معي حتى وإن كان الأمر يتعلق بالموسيقى لفيلمي الروائي “عائد إلى حيفا” فقط، لكن في الأمر مسافات وشروط ثقافية وفنية تتعلق بشخصية زياد الرحباني المتفردة.
قبل مباشرتي بإخراج فيلم عائد إلى حيفا، ومع مسؤوليتي كمشرف على القسم الثقافي في مجلة الهدف، كلفت بمسؤولية قسم السينما في مجلة الأخبار اللبنانية التي يصدرها الحزب الشيوعي اللبناني، ويترأس تحريرها الكاتب الكبير محمد دكروب.
كان دكروب يكتب الدراسات عن الموسيقى بحكم اختصاصه، وهو قريب من الرحابنة، فهو مستمع دائم ومشاهد دائم لأعمالهم الغنائية وبشكل خاص أعمال الأوبريت الغنائي، وكان يتوج كتاباته في مجلة الأخبار الأسبوعية حينا وفي مجلة الطريق حينا آخر، وكان “دكروب” خير من كتب عن أعمال الرحابنة إضافة إلى الشاعر الكبير “أنسي الحاج” الذي كثيرا ما كان يتوج ملحق جريدة النهار بدراسات معمقة وتشغل بعض أغلفة ملحق جريدة النهار بلقطة أو صورة جميلة من أوبريت غنائي.. وعنونة صحفية تشد قراء الملحق الثقافي لجريدة النهار.
كنا نقرأ جريدة النهار وبشكل خاص الملحق الثقافي للجريدة قبل أن يداهمنا فجر بيروت والبحر، حيث يبدأ توزيع جريدة النهار وخاصة العدد الأسبوعي الملحق برئاسة “أنسي الحاج” مع جريدة السفير والأنوار ومجلة الأخبار الأسبوعية برئاسة “محمد دكروب” نتسلمها في مقهي “الدولتشا فيتا” مقابل صخرة الروشة نتصفحها ونقرأ أجمل المقالات مع فنجان القهوة قبل أن نركن للنوم، ونعود لأعمالنا في أول الصباح.
وصراحة لم نكن نعرف معنى الليل ومعنى الفجر ومعنى الصباحات في بيروت فكلها طقس متداخل بين الصحافة والثقافة وأصوات مدافع الحرب الأهلية التي اشتعلت في لبنان.
وبعد أن ركنت الحرب الأهلية إلى الهدوء النسبي، باشرت إسرائيل بالتحرش بلبنان، وكان عام 1978 أول غزو إسرائيلي للجنوب اللبناني. في تلك الفترة باشرت التحضير لكتابة سيناريو فيلمي الروائي عائد إلى حيفا. وباشرت العمل سينمائيا في العام 1980 وأنهيت التصوير في منتصف ذلك العام. وكان همي الصعب موسيقى الفيلم..!
بداية كنا بحاجة إلى موافقة زياد الرحباني لتأليف موسيقى الفيلم، وكنا نفكر في حال موافقته، ماذا بشأن الإمكانية المادية، سيما ونحن نعمل في ميزانية متواضعة تعتمد على مشاركات تطوعية، فبطلة الفيلم النجمة الألمانية “كرستينا شورن” تبرعت بأجورها للفيلم وصيادو الأسماك وجلهم من الشيوعيين، تبرعوا بيوم عمل وتقديم زوارقهم لمشهد الهجرة الفلسطينية، ورئيس الوزراء رشيد كرامي قدم لنا ميناء طرابلس هدية لتحويله إلى ميناء حيفا، وأوقف العمل ليومين في الميناء. والكومبارس بطبيعة الحال كانوا بالآلاف من مخيمي النهر البارد والبداوي، والتصوير لثلاث ساعات جوا بواسطة طائرة هليوكبتر، تبرع لنا باستخدامها مجانا الجيش السوري. وحتى الشارع الرئيس بين بيروت وطرابلس فإن الرئيس اللبناني “سليمان فرنجية” ساعدنا في تنفيذ مشاهد العودة إلى حيفا في ذات الشارع لمسافة بين منطقة زغرتا وطرابلس في منع السير لعدة ساعات حتى لا تفاجئنا السيارات الحديثة ونحن نصور شارع في فلسطين عام 1948.
اقترحنا أن نستمزج موافقة الموسيقار زياد الرحباني فموافقته ليست سهلة وهو لا يتورط خارج نشاطاته إلا ما ندر، بمعنى عدم المشاركة مع الآخرين خشية انعكاس أعمال الآخر سلبا على قدراته. طلبت من الأخ “محمد دكروب” أن يستمزج رأي الموسيقار زياد الرحباني، وجاء الرد بعد حديث ليس بالقصير، إن عند الموسيقار زياد شرطين، الأول أن يقتنع بالمواد المصورة، وعليه أن يرى مشاهد ممنتجة حتى تكتمل لديه صورة الفيلم وبنائه ليتأكد من بناء الفيلم وقيمته السينمائية، والشرط الثاني الجانب المادي الذي سوف يكون “هدية لفلسطين والمقاومة الفلسطينية!!” كنت غير متأكد من الشرط الثاني، أو ربما أن ثمة سوء فهم في الموافقة!

بدأت زياراته لي في قسم السينما الكائن في الشارع الموازي لكورنيش المزرعة، وعرضت أمامه مشاهد الفيلم وهي غير ممنتجة بعد، ولكني كنت أنجزت المرحلة الأولى في اختيار ما نسميه التوليف الأولي لمشاهد الفيلم، وحين انتهينا من المشاهدة، قال لي إن اختلاف هذا الفيلم عن الأفلام المتداولة يتميز بملاحظتين واضحتين. مواقع التصوير المقاربة لما نشاهده في الوثائق المصورة عن مدينة حيفا بفلسطين، والأمر الثاني أن الممثلين مطابقون لشخصيات الرواية، ولكنهم غير معروفين، ليسوا نجوما على الشاشة، وهذه ميزة ثانية في الفيلم، لكي لا ينظر المشاهد إلى الممثل كنجم، بل كشخص من شخوص الرواية. قلت له، هذا شأني في كل أفلامي فأنا أبتعد عن الممثل الجاهز أو المعروف. أما مواقع التصوير فإضافة إلى تدقيقي في مناظر حيفا المصورة وثائقيا في الأربعينات، فإن رئيس وزراء لبنان “رشيد كرامي” كان قد زار فلسطين في صباه، وحدد لي الشوارع الأقرب لمدينة حيفا في لبنان، وسألني كيف صورت ميناء حيفا، قلت له هدية من رئيس الوزراء، فقد أعطاني ميناء طرابلس لمدة يومي عمل مجانا.
اقتنع زياد بالفيلم، وقال أحتاج لمشاهدة أكثر لنحدد سوية المشاهد التي تحتاج فيها إلى موسيقى. كان يزورني للمشاهدة على جهاز “المافيولا” وكنت أزوره في الستوديو في شارع الحمرا لأستمتع بسماع الموسيقى وهو يشرف على تمارين الموسيقيين. وطبعا أرسلت المحاسب لكي يتصل بالمسؤول عن الستوديو وخبرتهم أن يدفعوا كلفة الستوديو والموسيقيين دون السؤال عن الرقم فقط أن يوقعوا الصك، وعرفت أن التأليف كما أخبرني محمد دكروب، كان حقا هدية عظيمة عززت قيمة الفيلم سواء مستوى الموسيقى أو مستوى اسم زياد الرحباني.
في تلك الفترة شعرت بأن ثمة متاعب يعاني منها زياد الرحباني.. متاعب صحية انعكاسا لحالة لبنان في الحرب الأهلية ومشاعره كفنان مرهف. ورؤيته لطبيعة المجتمع اللبناني الذي بدلا من أن يشكل موزائيك المجتمع قوة إلى لبنان، ساهمت قوى خفية، في تكريس الطائفية المقيتة التي زرعتها قوى خارجية في كل مجتمعاتنا العربية والشرق أوسطية. ساعد في ذلك انهيار الحالة النفسية الاجتماعية في لبنان والبحث عبر نقاط الضعف عن السند الذي يسقط الفرد في العمالة ويسقطه في البعد الخياني للوطن.. فصارت أمراض المجتمع تغذى بوسائل مختلفة لعل أبرزها الإعلام، وكان الرحباني زياد لا يقوى على مواجهة تلك القوى، فالمواجهة تحتاج إلى “تيار” من الوعي الثقافي والوطني للمقاومة.. لذلك فإن نمط الحزبية وحتى في الحزب الشيوعي اللبناني لم تكن قادرة على مواجهة التيار المضاد للتقدم الذي شكلته قوى تسمى “الماسونية- الشكل المرعب للصهيونية وقوى رأس المال في الغرب” التي تمكنت من إسقاط النظام الاشتراكي المسمى “الاتحاد السوفياتي” الذي كان يتهم النظام الشيوعي في الصين بالتحريفية. فيما كانت الصين قوة أنهكت نظام رأس المال برمته.. كان زياد الرحباني يظن بالحاجة إلى ماوتسي تونغ وهوشي منه وجياب وجيفارا وكاسترو ونيلسون مانديلا ومارتن لوثر كنك، ولذلك شكل تيار حزب الله الذي تأسس في لبنان، بذرة الأمل لمقاومة غير تقليدية. ويوم اغتيلت قيادات عظيمة في حزب الله وفي المقدمة حسن نصر الله كان حزن زياد الرحباني كبيراً.

قبل أقل من عام كانت الفكرة الاحتفال بذكرى استشهاد غسان كنفاني في تونس وعرض فيلمي عائد إلى حيفا. ورتبت الدعوة للسيدة آني كنفاني زوجة الشهيد غسان وابنتها ليلى وأنا، ودعوة خاصة لزياد الرحباني ليشكل مشهد حضوره، انشغالا غير عادي في تونس عبر اسمه المتألق في المجتمع التونسي وغير التونسي، لكن وضع زياد الصحي والنفسي أحاطه بشيء من التوحد والعزلة، حال دون تمكنه من السفر.. كانت تونس تحضر مهرجانا يشغل الإعلام وينهض الهمم الوطنية والثقافية. ولكن كان زياد الرحباني حقا يعاني من تعب في صحته.. وكنا نخاف عليه وهو الاسم المتميز في الموسيقى واللحن والكلمات والطيبة والتواضع والعظمة الإنسانية.. رحل زياد الرحباني قبل الأوان وترك للفلسطينيين والمقاومة الفلسطينية لحنا موسيقيا لن ينسى مدون ببصمته المتميزة على عناوين فيلم “عائد إلى حيفا” في كادر خاص به باللون الأحمر، مكتوب فيه “الموسيقى مهداة من الموسيقار الكبير زياد الرحباني” شكرا زياد الرحباني لهديتك العظيمة التي شكلت مفردة من مفردات لغة الصف الأول التعبيرية في سينما المقاومة الفلسطينية، عائد إلى حيفا الفيلم الروائي الوحيد الذي حققته في خضم أنغام المدافع وزخات رصاص الكلاشنكوفات والانفجارات التي تهز ليس بيوت لبنان وتناثر عواطفها ومشاعرها الحالمة، بل تهز كيان لبنان، وكان لهذه الإنفجارات حيوانات بشعة الشكل تسمى مجازاً بشرا، وكان انفجار مرفأ بيروت قيامة الموت الآتية.. شكل زياد الرحباني برحيله قيامة ثانية هزت مشاعر كل من أحبه في لبنان وفي الدنيا.
سيحتفل سينمائيو لبنان “سينما كل الناس” في أيلول سبتمبر 2025 في عروض سينمائية تجول لبنان ومناطق تصوير فيلم “عائد إلى حيفا” ليس ليشاهد الفلسطينيون واللبنانيون فيلمهم المتألق، بل ويعرفوا أن موسيقى فيلم عائد إلى حيفا.. هدية الموسيقار الكبير زياد الرحباني لفلسطين!

