مع اشتداد الحرب في أوكرانيا ودخولها عامها الرابع، وجدت أوروبا نفسها في مواجهة واقع استراتيجي صادم: ضعف القدرات الدفاعية، وهشاشة القاعدة الصناعية العسكرية، والاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية.
هذه الحقائق لم تعد تُطرح همسًا خلف الأبواب المغلقة، بل باتت موضوع نقاش علني بين صانعي السياسات والخبراء العسكريين في القارة.
“خطوط إنتاج فارغة” وسباق ضد الزمن
منذ اندلاع الحرب، ارتفع الطلب الأوروبي على الذخائر والصواريخ بشكل غير مسبوق، لكن المصانع لم تواكب الوتيرة، إذ تكشف أرقام حلف شمال الأطلسي أن مخزونات بعض الدول الأعضاء انخفضت إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة.
ولا تستطيع خطوط إنتاج المدفعية الأوروبية إنتاج أكثر من 300 ألف قذيفة سنويًا، بينما تستهلك أوكرانيا هذا الرقم في أقل من ثلاثة أشهر. هذه الفجوة الزمنية تطرح سؤالًا وجوديًا: هل تستطيع أوروبا خوض حرب استنزاف طويلة دون أمريكا؟
تبعية اقتصادية – عسكرية
أحد أبرز معالم الأزمة هو الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة. فبينما تملك واشنطن صناعات ضخمة قادرة على تزويد الحلفاء بملايين القذائف والطائرات المسيّرة، تكافح الشركات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة لتأمين المواد الخام وحتى اليد العاملة، وهذا الاعتماد يتجاوز حدود السلاح إلى التكنولوجيا والتمويل اللوجستي والاستخبارات.
عجز هيكلي و”تشرذم” داخلي
تتجلى الأزمة الأوروبية أيضًا في انقسام داخلي بين دول الاتحاد، فرنسا وألمانيا، رغم كونهما العمود الفقري للاتحاد الأوروبي، لا تزالان مختلفتين حول برامج التسليح المشتركة، من الطائرات المقاتلة إلى الدبابات، وهذا التشرذم جعل السوق الدفاعية الأوروبية أضعف من منافسيها، حيث يدير كل بلد مشاريعه وفق أجندة وطنية ضيقة، في حين تمضي أمريكا والصين بخطى موحدة نحو تعزيز مجمعاتهما الصناعية العسكرية.
أوكرانيا… مختبر الفرص والتهديدات
وسط هذه الفوضى، تبرز أوكرانيا كلاعب مفاجئ. الحرب جعلت كييف حقل تجارب مفتوحًا للأنظمة الدفاعية، من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ الدقيقة. كثير من الخبراء الأوروبيين يرون في أوكرانيا “شريكًا صناعيًا محتملًا” يمكن دمجه في المنظومة الدفاعية الأوروبية مستقبلًا، لا سيما أن لديها خبرات ميدانية لا تملكها مصانع القارة.
وغير أن هذا الطرح يثير حساسية داخل بعض العواصم التي تخشى من انتقال خطوط الإنتاج إلى خارج الاتحاد الأوروبي.
البعد الاقتصادي: من عبء إلى فرصة
زيادة الإنفاق الدفاعي – الذي قفز في ألمانيا وحدها إلى أكثر من 2% من الناتج المحلي – يثير جدلًا سياسيًا حول أولويات الإنفاق، فهل تُوجَّه الموارد إلى السلاح على حساب التعليم والصحة؟ لكن آخرين يرون أن الاستثمار في الصناعات الدفاعية قد يكون محرّكًا اقتصاديًا جديدًا للقارة، يخلق وظائف ويعيد إحياء سلاسل الإنتاج المتهالكة. التاريخ يقدّم سابقة: الثورة الصناعية في أوروبا ارتبطت جزئيًا بتطور الصناعات العسكرية.
الصين وروسيا… التحدي المزدوج
ويشير رافي أجراوال، رئيس تحرير مجلة “فورين بوليسي” إلى أن أزمة الدفاع الأوروبية لا تقف عند حدود أوكرانيا، فضعف القارة يشجّع الخصوم الجيوسياسيين على توسيع نفوذهم. روسيا التي تواصل هجماتها في الجبهة الأوكرانية، تراهن على إنهاك الغرب وتعميق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.
أما الصين، فتتابع المشهد من كثب، مستغلة الانشغال الأوروبي لتعزيز وجودها الاقتصادي والعسكري في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، بل وحتى في موانئ أوروبية عبر استثمارات استراتيجية.
هذا “التحدي المزدوج” يجعل من أي تراخٍ أوروبي ليس مجرد خطر إقليمي، بل تهديد لمكانة القارة على الخريطة العالمية.
“الاستقلال الاستراتيجي” شعار أم واقع؟
ويضيف “أجراوال” أنه رغم كل الخطابات الطموحة من بروكسل وباريس وبرلين، يظل “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” شعارًا أكثر منه حقيقة ملموسة، فحتى اليوم، لا يوجد إطار دفاعي أوروبي خالص يمكن أن يحل مكان الناتو أو يوازيه، ومع غياب الإرادة السياسية الموحدة، تبدو فكرة أن تصبح أوروبا قوة عسكرية مكتفية ذاتيًا أقرب إلى حلم بعيد المنال.
لحظة الحقيقة
تضع الحرب الأوكرانية أوروبا أمام مفترق طرق، إما أن تستغل اللحظة لإعادة بناء صناعتها الدفاعية على أسس تكاملية مشتركة، وإما أن تستسلم لاعتماد طويل الأمد على واشنطن، مع ما يحمله ذلك من مخاطر مستقبلية. في عالم يتغير بسرعة، من آسيا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، لا يمكن للقارة العجوز أن تظل عرجاء عسكريًا.
السؤال الجوهري اليوم ليس ما إذا كانت أوروبا قادرة على مواجهة التحديات، بل: هل لديها الإرادة السياسية لتجاوز الانقسامات الداخلية وتحويل الصدمة الأوكرانية إلى نقطة انطلاق نحو استقلال دفاعي حقيقي؟

