صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي الوطني و الدولي .
الجزائرالٱن _ تحولت شوارع باريس إلى ساحة حرب حقيقية اليوم، حيث أضرم المتظاهرون النار في عشرات حاويات القمامة ورشقوا قوات الشرطة بالحجارة والأدوات، في مشاهد لم تشهدها العاصمة الفرنسية منذ احتجاجات “السترات الصفراء”.
اعتقلت الشرطة 159 متظاهراً في باريس وحدها من أصل 473 معتقلاً على الصعيد الوطني، بينما تكدست حاويات القمامة أمام مستشفى تينون وعدة شوارع رئيسية كحواجز بدائية.
انتشار أمني لم تشهده فرنسا منذ سنوات
استنفرت الحكومة الفرنسية 80,000 عنصر أمن – رقم قياسي – لمواجهة دعوات “لنغلق كل شيء” التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. القوات الأمنية انتشرت بكثافة في باريس والمدن الكبرى، وتدخلت بسرعة لتفكيك الحواجز الطرقية واعتقال المحرضين.
هذا الانتشار الأمني الاستثنائي عكس مدى قلق السلطات من تفاقم الأوضاع، خاصة بعد النجاح النسبي للدعوات التي انطلقت من “القاعدة الشعبية” دون تنظيم نقابي رسمي.
مارسيليا معلقة.. والطرق السريعة مغلقة بالكامل
شلّ المتظاهرون حركة المرور في مارسيليا بالكامل، حيث أغلقوا جميع الطرق السريعة المؤدية إلى المدينة وعطلوا النشاط في الموانئ. المدينة الثانية في فرنسا شهدت مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، بينما تجمع مئات المتظاهرين في الشوارع الرئيسية.
ليون لم تكن أفضل حالاً، حيث شارك حوالي 300 متظاهر في الجمعيات العامة وأقاموا حواجز طرقية على المحاور الرئيسية، مما أدى إلى شلل شبه تام في حركة المرور.
اللوفر يُغلق أبوابه.. والثقافة تنضم للاحتجاج
في خطوة نادرة، أغلق متحف اللوفر – أشهر متاحف العالم – عدداً من صالاته “بشكل استثنائي” بسبب الحركة الاحتجاجية. كما أغلق متحف دولاكروا أبوابه بالكامل أمام الزوار.
هذا الإغلاق يعكس مدى انتشار الحركة الاحتجاجية التي تجاوزت القطاعات التقليدية لتصل إلى الثقافة والسياحة، في ضربة موجعة للاقتصاد الفرنسي.
القطارات معطلة والمطارات مهددة بالإغلاق
تعرضت شبكة القطارات لاضطرابات كبيرة، حيث تأثرت حركة القطارات والـRER في منطقة إيل دو فرانس. نقابة SUD للطيران المدني دعت إلى إضراب وإغلاق المطارات، مما خلق حالة من الفوضى للمسافرين.
وسائل النقل العام في باريس شهدت اضطرابات متفاوتة، بينما أوقف المتظاهرون عدة حافلات في الشوارع.
حرائق وتخريب.. أضرار بملايين اليوروهات
أحرق المتظاهرون مئات حاويات القمامة وعدة حافلات، وكسروا واجهات بعض المحلات، وألحقوا أضراراً بكاميرات المراقبة ولافتات الطرق. الأضرار المبدئية تُقدر بملايين اليوروهات، دون احتساب التعطيل الاقتصادي الواسع.
خبراء الأمن يشيرون إلى أن العنف كان “محدوداً لكن منتشراً” مقارنة بأحداث السترات الصفراء، لكنه شمل مدناً أكثر.
من 295 إلى 473 معتقلاً.. الأرقام تتصاعد مع المساء
بدأت الاعتقالات صباحاً بأرقام محدودة، لكنها تصاعدت مع تطور الأحداث:
ـ الساعة 13:15: 295 معتقلاً وفقاً لوزارة الداخلية
ـ المساء: 473 معتقلاً كرقم نهائي
ـ باريس الكبرى: أكثر من نصف الاعتقالات (159+)
هذه الأرقام تعكس حجم المواجهات وانتشارها الجغرافي الواسع.
“أزمة ديمقراطية عميقة”ومحللون يحذرون
يرى خبراء السياسة أن نجاح دعوات “لنغلق كل شيء” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دون تنظيم نقابي تقليدي، يعكس “أزمة ديمقراطية عميقة” في فرنسا.
حوالي 300 نقابي دعوا إلى بناء حركة اجتماعية “من القاعدة” دون انتظار التعبئة النقابية الرسمية المقررة في 18 سبتمبر، مما يؤشر على تصدع في الهياكل التقليدية.
الحكومة تحت الضغط و43 مليار أورو في مهب الريح
الاحتجاجات تستهدف خطة الحكومة للتوفير بقيمة 43.8 مليار أورو من ميزانية 2026، خاصة 5.5 مليار أورو من التوفيرات المقررة للمستشفيات العامة.
هذه الحركة الشعبية الواسعة تضع الحكومة أمام تحدٍ حقيقي، خاصة مع تنامي الدعوات لـ”تعويض شامل للتضخم” في المرتبات.
ما بعد العاصفة.. استعداد لجولة ثانية في 18 سبتمبر
رغم السيطرة النسبية للقوات الأمنية على الأوضاع مساءً، فإن تاريخ 18 سبتمبر يلوح في الأفق كموعد لتعبئة نقابية رسمية أوسع.
السؤال الآن: هل ستتمكن الحكومة من تهدئة الأوضاع، أم أن فرنسا تتجه نحو أزمة اجتماعية أعمق؟
ويبقى الأكيد أنّ يوم 10 سبتمبر 2025 سيُذكر كأحد أعنف أيام الاحتجاج في فرنسا الحديثة، حيث تمكنت دعوة بسيطة عبر وسائل التواصل من شل البلاد وإجبار الحكومة على نشر 80,000 شرطي لاستعادة السيطرة.

