بقلم: أ.د.عبدالمنعم صدقي
أستاذ بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني – مركز البحوث الزراعية
يشهد العالم اليوم مفارقة خطيرة: فمن جهة، يعتمد أكثر من ثلث سكان الأرض على منتجات الثروة الحيوانية كمصدر رئيسي للبروتين الحيواني، ومن جهة أخرى يُتهم هذا القطاع بأنه من أكبر المساهمين في أزمة المناخ. وبين مطرقة تأمين الغذاء وسندان خفض الانبعاثات، يقف الإنتاج الحيواني أمام تحدٍ عالمي غير مسبوق.
أرقام تكشف حجم الأزمة

تقديرات منظمة الأغذية والزراعة تؤكد أن الثروة الحيوانية مسؤولة عن نحو 6.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أي ما يعادل تقريبًا 12% من إجمالي الانبعاثات البشرية. وتتصدر الأبقار القائمة، إذ تولد وحدها أكثر من 3.8 مليار طن، معظمها من غاز الميثان، وهو غاز أقوى من ثاني أكسيد الكربون بـ 28 ضعفًا في قدرته على حبس الحرارة.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن إنتاج كيلوجرام واحد من لحم البقر يتسبب في نحو 100 كجم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بـ 30 كجم للحم الضأن، و10 كجم فقط للدجاج. أما الحليب، فرغم أهميته الغذائية، إلا أن إنتاج لتر واحد منه يطلق ما بين 1.5 إلى 3 كجم من الانبعاثات.
ضغط على الموارد
لا تقتصر المشكلة على الانبعاثات، بل تشمل استنزاف الموارد الطبيعية. إذ يُستهلك نحو 80% من الأراضي الزراعية في العالم لإنتاج الأعلاف أو الرعي، بينما توفر اللحوم ومنتجات الألبان أقل من 20% من السعرات الحرارية الغذائية عالميًا. كما أن إنتاج كيلوجرام واحد من لحم البقر يحتاج إلى نحو 15 ألف لتر من المياه، في وقت يواجه فيه أكثر من ملياري إنسان نقصًا حادًا في الموارد المائية.
المستقبل القريب
التوقعات لا تحمل تفاؤلًا. فبحلول عام 2034، يُتوقع أن يقفز إنتاج اللحوم إلى 406 ملايين طن، بزيادة قدرها 13% عن الوضع الحالي. أما الطلب على الألبان، فيتوقع أن يزداد بنحو 33 مليون طن خلال الفترة ذاتها، مدفوعًا بارتفاع عدد السكان في آسيا وأفريقيا. هذه الزيادة ستضاعف الضغوط على المناخ والموارد إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جادة.
حلول مطروحة عالميًا
لمواجهة هذه التحديات، تتبنى دول ومنظمات عدة مسارات:
إعادة تشكيل الأنماط الغذائية: تشجع تقارير الأمم المتحدة على التحول نحو بدائل أقل ضررًا بالبيئة مثل الدواجن والأسماك والبقوليات. وقد بدأت دول أوروبية بالفعل في إدخال البروتينات النباتية إلى برامج التغذية المدرسية.
التقنيات المبتكرة: مثل استخدام إضافات أعلاف تقلل من انبعاث الميثان بنسبة تصل إلى 30%، وتجارب تربية أبقار بطرق تقلل الغازات عبر تحسين الهضم.
اللحوم المزروعة معمليًا: التي حصلت على موافقات تجارية في الولايات المتحدة وسنغافورة، وتُعتبر خيارًا واعدًا لتقليل الضغط على الأراضي والمياه.
النماذج الناجحة: على سبيل المثال، تبنت هولندا سياسة “المزارع الذكية” التي تركز على تقليل الانبعاثات عبر إدارة دقيقة للأعلاف والسماد، ونجحت في خفض الانبعاثات الزراعية بنسبة 17% خلال عقد واحد.
بين الغذاء والمناخ
التحدي لا يكمن فقط في إطعام سكان العالم، بل في كيفية إطعامهم دون تدمير البيئة. وكما قالت مديرة برنامج الأغذية المستدامة في الأمم المتحدة: “القضية لم تعد مجرد كيفية إنتاج المزيد من الغذاء، بل كيفية إنتاجه بطريقة تضمن مستقبلًا صالحًا للعيش.”
لقد أصبح واضحًا أن الأمن الغذائي والاستدامة البيئية وجهان لعملة واحدة. فبدون خفض استهلاك لحوم الماشية وتبني حلول مبتكرة، سيبقى قطاع الإنتاج الحيواني عامل ضغط رئيسي على الكوكب. ولعل التوازن بين حق الإنسان في الغذاء وحق الأجيال القادمة في بيئة آمنة هو التحدي الأكبر الذي يجب أن يواجهه العالم اليوم قبل الغد.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


