د. معن علي المقابلة
لا يمكن لأي دولة أن تدخل مئوية جديدة بذات أدوات المئوية السابقة. ومع ذلك، يبدو أن الأردن يفعل الأسوأ: لا يطوّر أدواته، ولا يحافظ على أدواته القديمة، بل يطيح بها واحدة تلو الأخرى دون بديل واضح.
منذ تأسيس الدولة، اعتمد النظام على ثلاث ركائز: العشائر، والإخوان المسلمون، والشرعية الهاشمية. هذه المعادلة هي التي حافظت على استقرار الأردن لعقود، رغم العواصف التي ضربت الإقليم. لكن اليوم، يُلاحظ أن السلطة الحالية تتجه بوضوح نحو تفكيك رافعتين كانتا جزءاً من ضمان استقرارها: العشائر والإخوان. العشائر… من الشراكة إلى الشك لم تعد العلاقة بين الدولة والعشائر قائمة على تبادل المصالح كما كانت في زمن الدولة الريعية.
فمع تراجع الدعم الخارجي وتآكل قدرة الدولة على توفير الوظائف، تحوّل أبناء العشائر من حاضنة للنظام إلى كتلة غاضبة، بلا فرص ولا تمثيل حقيقي. ردّ الدولة لم يكن إصلاحاً، بل محاولة لتكميم الأفواه وإسكات الاحتجاج عبر الاعتقالات وإطلاق يد الأجهزة الأمنية.
هذه ليست إدارة أزمة؛ بل إدارة قطيعة مع أحد أهم أعمدة الدولة. وحين تشعر قبائل كبرى بأنها مستهدفة، فإن النظام لا يخسر حليفاً فقط، بل يخسر جزءاً من بنيته التاريخية. الإخوان المسلمون… رافعة سياسية تتحول إلى خصم إقليمي الدولة تعرف جيداً أن الإخوان لعبوا دور “صمام الأمان” في أكثر اللحظات حساسية.
ومع ذلك، اختارت السلطة، بضغط إقليمي واضح، أن تدفع الجماعة إلى الهامش ثم إلى الحظر. هذا القرار لا يعكس رؤية سياسية بقدر ما يعكس ارتهاناً لمعادلات خارجية، وتوهّماً بأن إرضاء بعض الحلفاء قد يفتح باب المساعدات. لكن الدولة التي تتخلى عن قوة اجتماعية وسياسية بهذا الحجم، دون بناء بديل ديمقراطي حقيقي، تمهد لنفسها فراغاً خطيراً. ديمقراطية بدون مجتمع؟
السلطة تتحدث عن تحديث سياسي وديمقراطية، لكنها في الوقت نفسه تضعف القوى الاجتماعية التي يمكن أن تكون جزءاً من هذا التحديث. ما الذي تبنيه الدولة إذا كانت تُقصي العشائر، وتجرّم الإخوان، وتُهمِّش الأحزاب، وتُحكم قبضتها على المجال العام؟
هل يمكن لنظام ما أن ينتقل إلى الديمقراطية بينما يقمع القوى التي تشكّل وقود العملية الديمقراطية؟ هل يمكن بناء مجتمع مدني على أنقاض مجتمع أصلي تم تفكيك بناه السياسية والاجتماعية؟ مأزق السلطة الحقيقية الحقيقة الأكثر حدة هي أن الدولة لا تتخلى عن روافعها لأنها تبني مشروعاً سياسياً جديداً، بل لأنها محاصرة اقتصادياً وتبحث عن رضا الخارج. السلطة تتعامل مع الأزمة الاقتصادية كأنها أزمة مالية فقط، بينما هي في جوهرها أزمة ثقة سياسية واجتماعية. والأخطر من ذلك أن النظام يبدو مقتنعاً بأن الحلول الاقتصادية يمكن أن تحل الأزمة السياسية، وأن الدعم الخارجي يمكن أن يحلّ محل الدعم الشعبي. هذه وصفة خطيرة.
فالدول لا تُبنى على القروض، بل على الناس. ختاماً: الطريق الذي لا يمكن السير فيه طويلاً إذا استمرت الدولة في تفكيك أعمدتها التقليدية دون صياغة عقد اجتماعي جديد، فإنها تضع نفسها أمام واقع لا يمكن النجاة منه: دولة بفجوة اجتماعية تتسع، ومجال عام يضيق، وشرعية تستهلك رصيدها دون أن ترفده. السؤال اليوم ليس: “إلى أين يتجه الأردن؟” بل: هل تدرك السلطة أنها تسير في طريق لا يحتمل السير فيه طويلاً… أم أنها تراهن على الوقت فيما الوقت ليس في صفّها؟
باحث وناشط سياسي/الاردن
Maen1964@gmail.com

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية “راي اليوم” مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع
للدعم:
ترحب ‘راي اليوم’ بآراء الكتاب وتأمل ان لا يزيد المقال عن 800 كلمة مع صورة وتعريف مختصر بالكاتب

