عمان
تستعيد الفروة اليوم مكانتها كواحدة من أبرز قطع الشتاء، بعد رحلة طويلة بدأت في عمق الصحراء حيث كان سكان البادية يعتمدون عليها لدرء لسعة البرد القارس، قبل أن تغيب قليلًا بفعل انتشار الأقمشة الحديثة كالجلد والجوخ. لكن هذا الرداء التقليدي يعود بقوة، ليس فقط كقطعة تراثية لها قيمتها ومكانتها، بل كموضة رائجة يرتديها الأثرياء ويتباهون بها في مناسباتهم، وتمتد حضورها داخل البيوت كعنصر دافئ يُستخدم كغطاء فاخر.
الفروة، بملمس صوفها الناعم ورائحتها التي تحمل شيئًا من ذاكرة الماضي، كانت عبر التاريخ مؤشرًا للمكانة الاجتماعية والغنى، إذ لم يكن امتلاكها أمرًا متاحًا للجميع. فقد اعتمد الناس على مصادر طبيعية في صناعتها، وبذلوا جهدًا كبيرًا في تجهيز الجلود ودبغها وتحويلها إلى رداء متين يوفر لهم الدفء، ويصمد أمام قسوة الشتاء الطويل. وقد كانت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية في القرى والبادية، وارتبطت بذكريات السفر والسهرات والليالي الباردة.
ومع تطور الزمن وعودة الاهتمام بالأزياء ذات الطابع التراثي، بدأت الفروة تنتشر مجددًا في الأسواق، خصوصًا تلك المصنوعة من الفرو الصناعي بأسعار تتراوح بين 15 و30 دينارًا، لتصبح متاحة لشريحة واسعة من الناس. ورغم ذلك، ما تزال الفروات المصنوعة من الجلود الطبيعية تعتبر الأكثر قيمة وفخامة، ويُقبل عليها من يبحثون عن الأصالة والدفء الحقيقي، أو ممن يحبون اقتناء القطع التقليدية التي تحمل بصمة الماضي.
عملية صناعة الفروة لا تزال تحافظ على تفاصيلها الدقيقة؛ إذ تبدأ بجلب جلود الخراف وغسلها جيدًا، ثم رشّها بالملح وتركها لفترة محددة حتى تجفّ، قبل غسلها مرة أخرى ومعالجتها بمادة الشبة التي تحافظ على الجلد وتمنع تعفنه. بعد ذلك، تُنظَّف الجلود باستخدام ماكينات مخصصة، ثم تُقصّ وتُخاط بطريقة حرفية دقيقة لتتحول إلى فروة متكاملة، تُغطى غالبًا بأقمشة مزركشة تضيف لها مظهرًا راقيًا وجاذبية لونية مختلفة. وتتنوع الفروات بحسب نوع الجلد وكثافة الصوف وطوله، بالإضافة إلى نوعية القماش الخارجي الذي يمنحها طابعها النهائي.
ومع تطور الموضة، لم تعد الفروة حكرًا على الرجال كما كانت في الماضي. اليوم، دخلت النساء بقوة إلى عالم الفروات، خاصة بعد أن أطلق مصممو الأزياء مجموعات خاصة بلمسات عصرية تناسبهن، مع ألوان أكثر تنوعًا ونقوش أخفّ، بل وابتكار موديلات سادة بسيطة تلائم الإطلالات اليومية والمناسبات. كما ظهرت فروات للأطفال بأحجام صغيرة تحاكي التصاميم التقليدية للكبار، مما جعلها جزءًا من أسلوب العائلة الكامل في موسم الشتاء.
ولا يقتصر ارتداء الفروة على الأيام الباردة؛ فقد أصبحت تظهر في الأعراس والمناسبات والاحتفالات، خصوصًا في المناطق التي ما زالت تحافظ على سمات الهوية البدوية. كما باتت وسائل التواصل الاجتماعي منصة أساسية لعرض أحدث تصاميم الفروات، ليصل بعضها إلى نطاق واسع من المهتمين بالأزياء التراثية ذات الطابع الفاخر.
ورغم أن الفروة ارتبطت عبر التاريخ بحياة البادية والصحاري، وبالاحتياج العملي إلى دفء يحمي من برودة الليل، فإنها اليوم تحتفظ بمكانتها بوصفها قطعة تحكي قصة مجتمع كامل، وتشكّل امتدادًا لجذور ثقافية أصيلة. إنها مثال على قدرة التراث على التطور والتجدد، وعلى مسايرة الموضة دون أن يفقد روحه، لتظل الفروة جزءًا حيًا من الذاكرة الشعبية ومشهد الأزياء الشتوية في آن واحد.
جميع الحقوق محفوظة.
لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.



