حزب الله ” خصوصًا، انما ما يراهن عليه اللبنانيون وقبل انقضاء فترة “السماح” هو ما تسعى إليه فرنسا من خلال حراكها الديبلوماسي الهادف إلى إيجاد تسوية في المنطقة، بحيث يكون لبنان طرفًا أساسيًا فيها وليس هامشيًا. ومن بين المراهنات المعوّل عليها أيضًا ما يمكن أن يمارسه الرئيس الأميركي
دونالد ترامب من ضغوطات على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عندما يلتقيه في 29 من الشهر الجاري في فلوريدا، خصوصًا أن واشنطن بدأت تعدّ العدّة لمشروع متكامل للمنطقة على أساس التنسيق القائم بين الإدارة الأميركية ودوائر الفاتيكان، وإن لم يكن في شكل علني، وذلك انطلاقًا من رؤية قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر للسلام، الذي شدّد عليه كثيرًا خلال زيارته التاريخية للبنان.
وفي المعلومات أن لقاء نتنياهو وتوم برّاك كان تمهيديًا للقاء فلوريدا، وكانت محادثاته بنّاءة بالنسبة إلى موقف تل أبيب من الحرب التهويلية على لبنان.
لكن، وعلى رغم كل هذه العوامل الخارجية التي يعلّق عليها اللبنانيون آمالهم، يبقى العامل الداخلي هو الأضعف والأكثر إرباكًا في معادلة منع الحرب. فلبنان الرسمي لا يزال عاجزًا عن تقديم صورة دولة متماسكة قادرة على التقاط الفرص الديبلوماسية وتحويلها إلى مكاسب سياسية وأمنية واضحة، فيما الانقسام الداخلي، ولو خفّ منسوبه إعلاميًا، لا يزال حاضرًا بقوة في الكواليس وعلى طاولة الحسابات الدولية، ذلك أن المجتمع الدولي، وخصوصًا العواصم المؤثرة في القرار الإسرائيلي، لا يكتفي بسماع النيات أو قراءة المبادرات، بل يبحث عن شريك لبناني موثوق، قادر على الالتزام بما يُطلب منه، وعلى تنفيذ ما يتعهد به، سواء في ما خصّ حصرية السلاح، أو ضبط الحدود، أو إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وفي طليعتها الجيش.
أن فرنسا ، على رغم اندفاعتها الإيجابية، لا تستطيع وحدها تحمّل عبء حماية لبنان من الحرب، ما لم يقابل هذا الجهد بخطوات لبنانية عملية، تُقنع الشركاء الدوليين بأن
بيروت لا تراهن فقط على “الجنرال الأبيض” أو على ضغوط الخارج، بل على إعادة ترتيب بيتها الداخلي قبل فوات الأوان. أما إسرائيل، وعلى عكس ما يُشاع عن تراجع حماستها للحرب، فهي لا تزال تضع كل السيناريوهات على الطاولة، وتستخدم التهويل كأداة ضغط إضافية، في انتظار ما ستؤول إليه الاتصالات الأميركية –
الفرنسية ، وما إذا كان لبنان قادرًا على استثمار هذه “الفرصة الضيقة” قبل انقضاء مهلة السماح غير المعلنة.
من هنا، تبدو الأسابيع القليلة المقبلة مفصلية، ليس فقط لجهة ما ستقرّره تل أبيب، بل لجهة ما إذا كان لبنان سيبقى أسير الرهانات الخارجية، أم سينجح، ولو متأخرًا، في تحويل هذه الرهانات إلى مظلة أمان فعلية، تقيه حربًا لا قدرة له على تحمّل كلفتها، لا سياسيًا ولا أمنيًا ولا اقتصاديًا.
الشرق الأوسط ، ولا سيّما بعد زيارته التاريخية للبنان، إلى عنصر ضغط معنوي وأخلاقي لا يمكن تجاهله في حسابات القرار الدولي. فالفاتيكان، وإن كان لا يمتلك جيوشًا، إلا أنه يجيد استخدام نفوذه الهادئ في لحظات التحوّل الكبرى، وخصوصًا عندما تتقاطع رؤيته مع أولويات واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.
وفي هذا الإطار، لا تُخفى القناعة لدى أكثر من مرجع ديبلوماسي بأن الحراك الأميركي الجاري في المنطقة لا ينفصل بالكامل عن هذه المظلّة الروحية – السياسية، ما يضع لبنان في قلب مقاربة مختلفة، عنوانها منع الانفجار الكبير، لا إدارة تداعياته. غير أن هذا الرهان، كما سواه، يبقى مشروطًا بقدرة اللبنانيين على التقاط اللحظة، وعدم تحويل الدعم المعنوي والدولي إلى مجرّد عامل إضافي في بازار الانتظار.

