من مسيرة في نوفمبر 2023 للعاملات الفلاحيات في تونس
عندما صَادقَت الحكومة التونسيّة على تنقيح مجلة الشغل في ماي 2025، رَوّجَت للخطوة بوصفها خطوة تاريخية تضع حدًّا لاستغلال المناولة ولعقود العمل المتقطّعة التي أنهكت العمّال والعاملات، حيث بدا الخطاب في ظاهره ثوريًا ومحمولًا على وعود إعادة الاعتبار لفئات واسعة من العمّال الذين طالما عانوا هشاشة التشغيل. لكن ما إن بدأ تطبيق النص حتى تكشّفت المفارقة المؤلمة؛ إذ تحوّل القانون الذي كان يفترض أن يحدّ من الهشاشة إلى إعادة إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدًا، خاصة بالنسبة للقطاعات الموسمية والنساء العاملات في قطاعات النظافة والخدمات والعمل المنزلي.
ولَعلَّ ما جرى مع سميرة وغيرها من العاملات في المهن الهشة يمثّل أوضح تجلٍّ للانكشاف السريع للثغرات التي حملها التنقيح الجديد. فسَميرة، البالغة من العمر ثمانية وأربعين عامًا، كانت تعمل منذ خمس سنوات لدى شركة مناولة متعاقدة مع مؤسسة عمومية. ومع إعلان إلغاء المناولة اعتقدت أنّها أخيرًا ستَظفر بعقد عمل مستقر. غير أنّ الواقع سَارَ في اتجاه مخالف تمامًا. حيث تقول للمفكرة القانونية: “صحيح أنّ أجري كان ضعيفًا وأنّ العقد كان يُجدَّد كل عام، لكنّ وضعية العمل كانت واضحة. أمّا اليوم فأصبحنا نعمل شهرًا بشهر، لا نعلم إن كنّا سنواصل غدًا، ولا نملك عقدًا مباشرًا يحدّد حقوقنا بوضوح. أشعر أنّ أزمتي لم تُلغَ، بل تغيّر شكلها فحسب”.
تَحمل شهادة سميرة دلالة كاشفة عن التبعات غير المحسوبة للقانون، إذ تُجسّد ما وصفته دراسة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بـ”الهشاشة المُعاد إنتاجها”: وهي هشاشة جديدة تُخفي نفسها خلف لغة الإصلاح، لكنها تترك العاملات أمام فراغ تشغيلي ومصير مُعلّق بين وعود لم تتحقق ونُظم انتقالية تزيد الغموض بدل أن تكشفه.[1]
كما أشارت الدراسة ذاتها إلى أنّ إلغاء المناولة دون مسار إدماج واضح، ودون تقييم لواقع النسيج الاقتصادي ومدى قدرة المؤسسات على استيعاب العمّال، أدّى عمليًّا إلى تحويل النص القانوني إلى آلية تُكرّس انعدام الاستقرار وتُعَمّق ضعف الفئات الأكثر ضعفًا، وفي مقدّمتها النساء العاملات في قطاعات التنظيف والخدمات والعُمّال في قطاع الحراسة والسياحة.
وسط هذه الضبابية، واجهت هندة البالغة من العمر 42 عامًا، وضعًا صعبًا في قطاع التغليف بإحدى الشركات الصناعية، حيث كانت تعمل عبر شركة مناولة متعاقدة مع المؤسسة. وما إن صادق البرلمان على القانون حتى بادرت الشركة إلى إنهاء عشرات العقود بذريعة “انتهاء علاقة المناولة”، لتُلقى فئات واسعة من العاملات خارج سوق الشغل خلال أيام قليلة.
ويَعتبر خبراء الاتحاد العام التونسي للشغل أنّ الحكومة مرّرت التنقيح دون أي تشاور مع الشركاء الاجتماعيين، ودون تقييم مُسبَق لبِنية الاقتصاد التونسي القائمة منذ عقود على منظومة المناولة ضمن سلاسل الإنتاج العالمية. وبذلك خَرجَ القانون إلى الواقع منقوصًا من أدوات الإنفاذ وضمانات التدرّج، فتحوّل من إجراء يُفترض أن يُصلِحَ العلاقة الشغلية إلى سبب مباشر في اضطرابها، إذ تسبب في حالة من الارتباك القانوني والاجتماعي بدل حماية حقوق العمّال.
واقع العُمّال يكشف أوجه القصور
رغم كل هذه الإشكاليات حَاولَت السلطات تقديم صورة إيجابية لتنقيح القانون. ففي 28 أكتوبر 2025، أعلن الرئيس قيس سعيّد في لقائه بوزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر عن تسوية نحو 82 ألف عامل وعاملة بموجب قانون منع المناولة، في خطوة بدا أنها تؤكّد نجاح الإصلاح. إلا أن هذه الأرقام، في ظل غياب أي جرد مفصل أو تقارير عن سير التنفيذ، بَدَت بعيدة عن الواقع الميداني الذي لم يُظهِر مؤشرات ملموسة على هذا الإنجاز.
ولم يمرّ سوى أقل من أسبوعين حتى يُعلن وزير الشؤون الاجتماعية عن ارتفاع الرقم إلى 92 ألف عامل وعاملة، أغلبهم في القطاع الخاص، مع الإقرار بوجود “تعطيلات” في تطبيق القانون داخل القطاع العام. هذا الارتفاع السريع، أي ما يقارب 10 آلاف عامل في فترة قصيرة جدًا، يُثير تساؤلات حول دقّة هذه الإحصاءات وموثوقيتها، خصوصًا في ظل غياب بيانات منهجيّة واضحة وعدم وضوح المعايير التي تم اعتمادها في احتساب العمّال المُرَسَّمِين.
في هذا السياق يثير حجم الشكاوى المتواترة على الاتحاد العام التونسي للشغل من قبل موظفين تم طردهم أو أُخضعوا لعقود هشة علامات استفهام كبيرة حول فعالية القانون ونجاعته على أرض الواقع. حيث أشار الطاهر البرباري، الأمين العام المساعد بالاتحاد العام التونسي للشغل المكلف بالقطاع الخاص، في تصريح لـلمفكّرة القانونية، إلى أن :”التنقيح الأخير لقانون المناولة كشف عن العديد من الإشكاليات العملية”. وأوضح أن هناك حالات فعلية لإلغاء عقود عمل لم تتجاوز سنة واحدة من الأقدمية، مشيرًا إلى أن عدد هؤلاء العمال والعاملات في قطاع السياحة وحده يصل إلى مئات. وأكّدَ البرباري أن “بعض الشركات الخاصة اعتمدت على تحديد فترة سنة قابلة للتجديد للعقود، أو لجأت مباشرة إلى الطرد، مع غياب فعلي لدور تفقدّيات الشغل في الرقابة، وهو ما انعكس على تلقي الاتحاد لشكاوى قطاعية تتراوح بين خمسين وسبعين عامل وعاملة في القطاعات الخاضعة للمناولة.”
وأضاف البرباري أن “ما يُعمّق الأزمة هو انقطاع التفاوض مع جميع الأطراف، على عكس الفترة السابقة، حيث كان هناك هامش للمفاوضات مع المؤجّرين لإيجاد حلول وسط”. وأشار أيضًا إلى لجوء بعض الموظفين إلى الإضرابات والاعتصامات، خصوصًا عمال القطاع السياحي في جزيرة جربة، في محاولة للضغط لضمان حقوقهم بعد تنقيح قانون المناولة. وسبق وأكد محمد البركاتي، الكاتب العام المساعد للجامعة العامة للسياحة والتجارة والصناعات التقليدية في تصريح نقلته جريدة الشعب، أن “قطاع السياحة شَهدَ موجة طرد جماعي للعمال في سوسة وجربة ومدنين ونابل، استباقًا لتعديلات مجلة الشغل، حيث تمّ تسريح ما بين 400– 500 عامل في سوسة، ونحو 250 في مدنين وجربة”. بدوره كان وزير التشغيل والتكوين المهني السابق وخبير قانون الشغل حافظ العموري قد أقرّ في 12 جوان 2025 وجود صعوبات حقيقية في تطبيق القانون وتفاوت كبير في نسق التسوية بين المؤسسات. ما سبق ذكره يمكن أن يجعل من الأرقام الرسمية المقدّمَة من الرئيس ثمّ وزِيره للشؤون الاجتماعية أقرب إلى التقدير السياسي الاحتفالي منه إلى الحصيلة الميدانية الدقيقة.
تتّضح آثار هذه الفجوَة بشكل أكبر لدى العاملات، اللواتي يُشكّلنَ في بعض القطاعات أكثر من 70% من اليد العاملة، مثل قطاعات النظافة والتغليف والنسيج. فبينما أُلغِيَت عقود المناولة من الناحية الشكلية، استمرت الهشاشة بل تضاعفت نتيجة غياب ضمانات الانتقال وضعف القدرة المؤسسية على الإدماج، لتجد النساء أنفسهن أمام واقع مزدوج: زوال العقود القصيرة لم يُترجَم إلى استقرار وظيفي فعلي، بل استبدلته أشكال جديدة من عدم الاستقرار وعدم الأمان الوظيفي، ما يُبرز محدودية أثر التنقيح في حماية الفئات الأكثر ضعفًا في سوق العمل.
يعود ذلك إلى أن “التنقيح أغفَلَ المنظور الجندري وأعاد إنتاج التمييز البنيوي ضد النساء العاملات”، وفقا لدراسة المنتدى المذكورة سابقا. إذ أن أغلب الفئات المتضررة من التسريح أو العقود القصيرة هن نساء، بينهن عاملات نظافة ومعينات منزليات وعاملات مصانع، ويرجع ذلك إلى “تقاطعات أزمات متعددة تجمع بين طبيعة القطاعات النسائية وضعف الحماية والتمييز الهيكلي”.
رغم أنّ القانون أنصف عاملات النظافة في المؤسسات العمومية بإلغاء المناولة رسميًا، فإنه تجاهل تمامًا العاملات المنزليات اللواتي يعملن خارج كلّ إطار رقابي فعلي. ورغم وجود قانون عدد 37 لسنة 2021،فإنّ الأعوان المكلفين بالرقابة لا يمكنهم دخول المنازل دون إذن المؤجر، وهو ما يجعل النصّ غير قابل للتطبيق عمليًا. وكان يفترض بتنقيح 21 ماي 2025 أن يُعيد تنظيم هذا القطاع الهش، لكنه التزم الصمت التشريعي، فبقيت العاملات المنزليات خارج كلّ حماية، في وضع قانوني يشبه “اللاّ -نص”، ويكرّس التمييز الجندري في سوق الشغل.
قانون وُلِدَ خارج الحوار الاجتماعي، فَحملَ بذور الارتباك
لم يكن مضمون القانون وحدَه محلّ جدل، بل طريقة صياغته أيضا. وجاء بيان الاتحاد العام التونسي للشغل ليؤكّد أن ما حدَثَ لم يكن مجرد تنقيح تقني، بل “إقصاء كامل للشركاء الاجتماعيين وتراجع خطير عن التقاليد التونسية للحوار الاجتماعي”. وأشار البيان إلى أنّ إصدار القانون من جانب واحد “يهدّد الاستقرار المهني ويمحو جوهر العقد الاجتماعي لسنة 2013”[2].ويُذكّر الاتحاد بأن مجلة الشغل نفسها نشأت في سياق حوار ثلاثي، وأنّ أي مراجعة لها يجب أن تتم ضمن نفس الرّوح، كما يشدّد على أنّ العمل اللائق لا يتحقق بتنقيح منفرد، بل عبر منظومة إصلاحية شاملة تُراعي معايير العمل الدولية ومقتضيات الدستور.
ويعدّ التمشّي الرسمي القائم مخالفًا لأحكام القانون المتعلّق بإحداث المجلس الوطني للحوار الاجتماعي، الذي نصّ صراحة في فصله الثالث على أنّه: “يُستشار المجلس الوطني للحوار الاجتماعي وجوبًا في مشاريع القوانين ومشاريع الأوامر الحكومية ذات العلاقة بالشغل والعلاقات المهنية والتكوين المهني والحماية الاجتماعية[3] ويُرفق رأي المجلس وجوبًا بمشاريع القوانين المعروضة على مجلس نواب الشعب.”
وفي هذا السياق يؤكد خبير في التشريعات الشغلية (رفض التصريح بإسمه) أن: “العمل اللائق لا يمكن أن يتوفر للعمال والعاملات في تونس إلاّ عبر مراجعة شاملة لتشريعات العمل الجاري بها العمل في القطاعين العام والخاص وأهمها مجلة الشغل والاتفاقية المشتركة الإطارية بالنسبة للقطاع الخاص، والنظامين العامين للوظيفة العمومية والدواوين والمنشآت العمومية. كما لن يتحقق أيضا إلا في إطار الحوار والتشاور بين كل أطراف الإنتاج.”
تذهب دراسة المنتدى أيضا إلى ما هو أبعد من نقد مضامين القانون، لتَربط المشكلة بالأساس بمنوال التنمية الذي يعتَمِد على التشغيل منخفض الكلفة والمعتمد على الشركات الأجنبية. وتؤكّد أن “إلغاء المناولة دفعة واحدة دون خطة اقتصادية موازية لرفع القيمة المضافة هو تفكير منفصل عن واقع اقتصاد ضعيف يقوم على المرونة القصوى”. وتعتبر أنّ القانون تم إعداده “دون تقييم مسبق لآثار إلغاء المناولة على المؤسسات المحلية والشركات الأجنبية، ودون دراسة آليات الإدماج أو قدرة المؤسسات العمومية والقطاع الخاص على استيعاب العمال. وبذلك فَقَد القانون وظيفته الأصلية، وتحوَّلَ إلى ما يشبه “صدمة تشريعية” دَفعَت مؤسسات كثيرة إلى التسريح عوض الإدماج، وخلقَت ارتباكًا قانونيًا في المؤسسات العمومية التي لم تتلقّ أي توجيهات واضحة. فضلا على أن النساء العاملات اللواتي يُفترض أن يكنّ أكثر المستفيدات وجدن أنفسهن في الواقع أكثر هشاشة وأكثر عرضة للتسريح وأكثر تهميشًا داخل سوق عمل لا يراعي خصوصيّتهن”.
لا يضمن قانون 21 ماي 2025 شروط العمل اللائق بالمعنى الذي حددته منظمة العمل الدولية. لأن هذا المفهوم لا يتعلق بعَقد العمل وحده، بل بمنظومة متكاملة تشمل الأجر المعيشي والحماية الاجتماعية وضمانات الأمان الوظيفي والوقاية من الأخطار المهنية والحوار الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز. فالاكتفاء بتنظيم العقود وإلغاء المناولة دون معالجة بقيّة العناصر الجوهرية يجعل القانون عاجزًا عن تحقيق الأمان المهني الذي تطمح إليه الفئات الشغّالة. فالعَقد القار بلا أجر معيشي، أو بلا تغطية اجتماعية، أو بلا حماية من الطرد، لا يرقى إلى مقومات العمل اللائق، بل يتحوّل إلى غطاء جديد لهشاشة قديمة.
على مدى عُقود، سعى العمال في تونس ومنظمتهم النقابية إلى تحقيق مقوّمات العمل اللائق وفق معايير منظمة العمل الدولية، خصوصًا في القطاع العام. غير أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة تحالفت مع أصحاب العمل، متغاضية عن مطالب العمال، ما رسّخ هشاشة متجذرة في سوق العمل. في المقابل اعتمدت الحكومة الحالية نهج الالتفاف، حيث تتظاهر بالانتصار للطبقة الشغيلة من خلال شعارات وإجراءات إصلاحية مثل تنقيح مجلة الشغل وإلغاء المناولة إلا أن خطواتها تظل سطحية، لأنها تقفز على معالجة الإخلالات البنيوية الجوهرية لتُعيد إنتاج نفس واقع الهشاشة. لذلك فإن هذا القانون ليس سوى مبادرة معزولة انفردت بها السلطة لتناول عنصر واحد من عناصر العلاقات الشغلية. ولا يمكن أن يرتقي هذا التنقيح الجزئي والأحادي الجانب إلى مستوى القانون المؤهل لتمكين العمال من الحق في العمل اللائق. فبينما يواصل الخطاب الرسمي الحديث عن تطوير علاقات الشغل يوضح الواقع أنّ غياب الشراكة بين الأطراف الاجتماعية وتجاهل بنية الاقتصاد التونسي وعدم إدماج منظور النوع الاجتماعي كفيل بأن يجعل أي إصلاح مجرّد خطوة ورقية أخرى تُضاف إلى أرشيف التشريعات التي لا تغيّر شيئًا فعليًا في واقع العمال والعاملات الذين ينتظرون من القانون حماية حقيقية لا وهمًا جديدًا.
في الختام يجدر التنويه بأن غياب أي بيانات رسمية دقيقة حول عدد العمال والعاملات الخاضعين لنظام المناولة، أو توزيعهم حسب القطاعات والشركات أو التقسيم بين القطاعين العام والخاص، يعكس استراتيجية اتصالية واضحة لجعل تنقيح القانون أداة دعائية للسلطة أكثر منها إجراءً إصلاحيًا يُسهم في تحسين واقع العمل. كما أنّ القانون يفتقد إلى تصوّر رسمي واضح حول أثره وكيفية تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية إيجابية، ما يعمّق الفجوة بين التشريع والواقع ويكشف عن محدودية الخطوة وطابعها الدعائي.
[1] الرحيلي، حسين. تنقيح مجلة الشغل بين نقاوة الشعارات والنتائج العكسية. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 2025.
[2] العقد الاجتماعي لسنة 2013: اتفاق بين الحكومة التونسية والنقابات (UGTT وUTICA) يؤكد على الحوار الاجتماعي الثلاثي كأساس لإعداد التشريعات الشغلية وتحقيق العمل اللائق.
[3] القانون عدد 54 لسنة 2017 المؤرّخ في 24 جويلية 2017، المتعلّق بإحداث المجلس الوطني للحوار الاجتماعي وضبط مشمولاته، الفصل 3، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية.

