في ظل تصاعد موجة تقصير الأغاني وتحول الموسيقى إلى محتوى سريع الاستهلاك يخدم خوارزميات سبوتيفاي وتيك توك، تثبت هذه الأعمال تمسّكًا واضحًا بصناعة مشاريع طويلة تستحق الاستماع إليها من البداية إلى النهاية، وتعيد التأكيد على قيمة هذه المشاريع. نرتكز في اختياراتنا هنا على أهمية العمل وجودته الفنية وتأثيره في سياقه ومشهده، بعيدًا عن الأرقام والخوارزميات والترشيحات وحملات الدعاية.
قد لا تتضمن القائمة أعمالًا بديهية اكتسحت الساحة عبر حملات بي آر ضخمة وتصدّرت معظم قوائم العام في المجلات العالمية؛ بينما تتركز حول اثني عشر ألبومًا نؤمن بجودتها الموسيقية وبرؤيتها، وبقدرتها على إحداث تأثير ممتد داخل مشاهدها.
DON’T TAP THE GLASS | Tyler The Creator
ظهر تايلر ذا كرييتور طوال الأعوام الماضية كالاسم التجريبي الوحيد المتبقي في الصف الأول من مشهد الراب. انعكست هذه الحالة بشكل واضح على موسيقاه وكيف حاول بلورتها، حيث حاول المحافظة على مكانته كرابر تجريبي بجماهيريه عالية.
في ٢٠٢٥، خرج تايلر بغزارة واضحة؛ ألبومان في اتجاهان مختلفان. أخرج الألبوم الثاني، الذي يحجز مكانه في قائمتنا رغم عدم حصوله على الصيت المأمول، جانبًا مميزًا من تايلر لم نره منذ فترة طويلة.
يعود تايلر إلى الأسلوب الإنتاجي من ألبومه الأول تشيري بومب، مع تأثيرات أخرى مختلفة، لكن ما ميز هذا الألبوم حقًا هو قدرته على استعادة صوت راب الثمانينات لكن بأسلوب تايلر الفريد، والذي دمج بين عقليته الإنتاجية التي تفضل ملء المساحات، وصوت الثمانينات التقليلي الخفيف.
Alfredo 2 | Freddie Gibbs, The Alchemist
إن كنت قد تعلمت شيئًا من هوسي بألبومات الراب فهو أن لا أثق بجزء ثانٍ من ألبوم جيد، لكن ألفريدو ٢ شذ عن هذه القاعدة بوضوح. يخرج ألفريدو ٢ أيضًا عن سياق الخوارزميات وما تطلبه بشكل صريح؛ إذ يحافظ فريدي جيبس على صوته من عصر مكس تايبس الإنترنت، ويحافظ على متوسط يتخطى الثلاث دقائق للتراك، ملتزمًا بعاداته وأصوله حتى بعد مرور أكثر من نصف عقد على الجزء الأول.
يحافظ ذا ألكيمست على صوته الخام، ويبلوره في هذا الألبوم بشكل تبرز فيه السلاسة في التركيب، في الانتقال بين السرعات المختلفة، والاختيارات الواثقة في الإيقاعات، والتي لا تغلب عليها الدرمز الخام، بل نجد فيها فسحات لأصوات درم مشينز عتيقة، بالإضافة إلى توظيف عينات الفوكالز بحنكة، حيث تبتعد عن التكلف والكثرة.
ألبوم ألفريدو ٢ تصور مثالي لألبوم خالي من ابتذالات الخوارزميات.
Let God Sort Em Out | Clipse, Pusha T, Malice
كانت عودة كليبس من خلال ألبوم ليت جاد سورت ايم آوت أحد أهم أحداث هذا العام موسيقيًا، والذي دخل في صراع مقارنات عنيف مع كثرة الألبومات التي صدرت حينها، ولا شك بأنه كان المتفوق على معظم أقرانه، مثل جاك بويز ٢ لترافيس سكوت.
تميز الألبوم ببنيته المتماسكة، التي كان لإنتاج فاريل دورٌ واضح فيها، سواءٌ باختيارات العينات أو التعاونات التي جاءت في مكانها، منها ما عاد إلى ماضي كليبس مثل ستوف جود كوكس، أو ما تماشى مع اللحظة مثل كيندريك لامار.
بالإضافة إلى الإنتاج منظم والتعاونات المدروسة، قدم كل من بوشا تي وماليس نسخة أكثر تفردًا من أنفسهم رغم جوانبها السوداوية، كتابيًا وأدائيًا؛ وهو ما له نصيب الأسد في سبب تفرد الألبوم.
choke enough | Oklou
من بين إصدارات بوب ضعيفة تعد كتريند مؤقت أو أخرى محبطة، نستطيع أخيرًا الجزم أن هذا ألبوم بوب متكامل حقًا.
نتبيّن ألحانًا جميلة واختيار آلات في محله يتراوح بين آلات حقيقية بأسلوب باروكي متشابك نغميًا وإلكترونيات رقيقة تنبض بالإيقاع. تعطي أوكلو مساحة واسعة لصوتها عن طريق تقليل الدرامز إلى أقصى درجة أو توظيفها بشكل رقيق.
تؤكد أوكلو أنه لا يزال هناك أمل في تقديم موسيقى بوب دون الإفراط في البذخ والهوس بالذات وإغراق السوشال الميديا بحملات دعاية مبالغ فيها.
Getting Killed | Geese
يأتي الألبوم الثالث لفرقة الروك الأمريكية جييس كأكثر أعمالها اكتمالًا حتى الآن. بنت الفرقة خلال الأعوام الماضية قاعدة مستمعين وفية، ومع إصدار جيتنج كيلد انفتحت هذه القاعدة واتسعت لتشمل محبي الروك في مختلف أنحاء العالم، مدفوعة بالإشادة النقدية التي حازها الألبوم فور صدوره.
يكشف الاستماع إلى الألبوم عن موسيقى روك جريئة ومغامرة، تتنقل بين مشاعر مختلطة ومتضاربة، مدفوعة بأداء وكلمات كاميرون وينتر التي تأتي بلا سردية واضحة، أقرب إلى تصريحات أو خواطر مهلوسة. يتأرجح أداؤه الغنائي بين الترنح وعدم الاستقرار تارة، أو يكتفي بالحديث فقط تارة أخرى، قبل أن يفاجئنا بجرعات من الصريخ، كما في افتتاحية الألبوم ترينيداد.
أجواء الألبوم مشحونة في معظمها لكن رغم ذلك نتبين محطات هادئة تضيف توازنًا وديناميكية لبنية الألبوم، كما في هاسباندز وهاف ريل. في المحصلة، يرسخ جيتنج كيلد نفسه كأحد أفضل ألبومات الجيتار في السنوات الأخيرة.
Instant Holograms on Metal Film | Stereolab
عودة فريق ستيريولاب من أفضل الأخبار التي أعلنت عنها تسجيلات وورب مطلع العام. يمتد الألبوم على مدار ساعة غنية موسيقيًا، يصعب تصنيفه ضمن إطار أي جنرا، إذ ينجح صوت الفريق المعهود في خلق مساحة قائمة بذاتها بين الروك والبوب مع أجواء سايكدلية.
يأتي اختيار الآلات متنوعًا بين الآلات الحية والسنثات يغلفها غناء ليتيتيا المتمكن ومتعدد الطبقات. هناك مقاطع آلاتية عديدة تنساب بانسجام تام وتأسر المستمع بجاذبيتها وتوزيعاتها. ألبوم مستساغ لجميع الأذواق ومترابط للغاية.
God Does Like Ugly | JID
يثبت جيد مرة أخرى أنه أحد أهم الأسماء في مشهد الراب الأمريكي وأكثرهم حفاظًا على مستوًى ثابت من الجودة. في ألبومه جود داز لايك أجلي، وهو أكبر مشاريعه حتى الآن، يقدم الرابر عملًا متماسكًا على مستوى الأفكار والإنتاج والكتابة. رغم كثرة التعاونات، لا تخل الإضافات بوحدة الألبوم، إذ يجيد جيد اختيارها وتوظيفها داخل السياق العام للعمل.
يحمل الألبوم مزيجًا من المشاركات الإنتاجية بين منتجين مخضرمين مثل ثاندركات وبوي واندا، وآخرين صاعدين مثل جاي فيرساتشي وتشيس بي، ما يضفي على المشروع ثقلًا وطاقة متجددة في آن واحد. أداء جيد هنا من بين الأفضل في مسيرته، لكنه يأتي أكثر هدوءًا ورصانة، مع حضور أوضح للغناء الذي بدأ جيد بتجريبه في ألبومه السابق ذ فورايفر ستوري. يكمل هذا البعد الإضافي الإلقاء الناري والكتابة المتقنة التي لطالما ميزت جيد.
GOLLIWOG | Billy Woods
في ألبومه الفردي الأول منذ ٢٠١٩، يواصل بيلي وودز ترسيخ مكانته كأحد أبرز فناني راب الأندرجراوند الأمريكي في العقد الأخير. يأتي هذا العمل محمّلًا بثيمات تدور حول الخوف وعوالم جانرا الهوروركور ويقدّمه بمستوى كتابة يُعدّ الأعمق والأكثر نضجًا في مسيرته. يتعامل وودز مع هذه الثيمات براب يلامس الأدب، موظفًا أدواته اللغوية بذكاء لصياغة أفكار معقدة ضمن سياق غالبًا ما يطغى عليه الابتذال، لكنه ينجح في تجاوزه بأسلوب حاد ومتقن.
More | Pulp
انتظرنا بالب أربعة وعشرين عامًا حتى يأتوا بهذا الألبوم الرائع الذي يعد واحدًا من أبرز أعمالهم. أمر غير متوقع، خصوصًا أن عودة أي فريق بعد انقطاع كهذا عادةً ما تكون متواضعة أو عابرة، أو جيدة على أحسن الأحوال لكن لا تضاهي أعمال الفريق الكلاسيكية.
تكمن في كل تراك جاذبية خاصة، حيث يخلو الألبوم من الحواشي. لا يزال جارفيس كوكر يمتعنا بثيماته المتنوعة بين المواضيع الاجتماعية والطبقية والقصص الإيروتيكية والتجارب الشخصية التي يسهل على أي مستمع التعلق بها.
كعادة الفريق، تتناغم الموسيقى بألحانها وأمزجتها المتنوعة مع الثيمات وأداء جارفيس المسرحي، فتتعدد المقاطع في كل أغنية وكأن كل أغانيه تحمل أغنيتين أو أكثر بداخلها.
The People’s Mixtape | Makaya McCraven
يأتي ذَ بيبولز ميكستايب ضمن سلسلة من الألبومات القصيرة من عروض مكايا ماك كرايفن الحية. الألبوم المكوّن من أربعة تراكات يعطينا لمحة من أجدد عروضه ويظهر فريقه متماسكًا للغاية كما لو كان الألبوم مسجّلًا في الاستوديو.
إضافةً إلى طابع الجاز العام هناك تأثيرات أخرى كالفانك. الملاحظ أيضًا عدم طغيان آلة على أخرى إذ تأتي الصولوهات في التوقيت الأمثل ولا تنغمس في الاستعراض المبالغ فيه، ليبقى انسجام الفريق وجودة عزفه هو مركز الألبوم. من أفضل ألبومات الجاز التي صدرت هذا العام وتؤكد على حرفية ماكايا كدرامر ومنتج أيضًا.
hooke’s law | keiyaA
عملت كييا على ألبومها الثاني على مدار خمس سنوات، والنتيجة ألبوم متكامل جماليًا على مستوى الكلمات ذات الطابع الشخصي والألحان، والأهم هو التجديد في السول والأر أند بي.
بالإضافة إلى صوتها الجميل ومداه الواسع وتمكنها منه، لكل تراك جاذبية خاصة على صعيد الإنتاج وتنوع الأفكار. نرى ملامح إيقاعية من الجاز والجانغل والهيب هوب وأداء غنائي يذكرنا بـ إيريكا بادو في بعض الأغاني. الملفت وسط هذه التأثيرات جميعها أن الألبوم ينساب بسلاسة ودائم التجدد حتى آخر أغنية.
صدر الألبوم الشهر الماضي لينعش أذاننا بمعادلته الموسيقية الخاصة جدًا وعالية الجودة. ألبوم لا يتكرر كثيرًا.
Baby | Dijon
يمكن القول إن ديجون يقدم آر أند بي خاص به تمامًا، وهو ما ظهر في ألبومه الفردي الأول عام ٢٠٢١، لكنه يتفوق على نفسه في ألبومه الصادر هذا العام بيبي. هنا يصقل ديجون رؤيته عبر مشروع محكم ومركز، أكثر ثقة ووضوحًا.
يتقاطع الألبوم مع عدة أصوات وتأثيرات، من الإيندي إلى الإلكتروني، فيما تظل هوية الآر أند بي الخاصة بديجون في القلب. يلتقي أداؤه الصوتي المتمايل مع إنتاج موسيقي يحيط به بعناية، في تعاونات إنتاجية إضافية أبرزها الاسم الصاعد في فضاء الإيندي، مك.جيي. الصوت هنا معبأ ومكثف، يخدم الحالة الشعورية الغزيرة التي يقدمها ديجون عبر التراكات.

