في رحاب المشهد التشكيلي الإماراتي، يبرز فن البورتريه شاهداً حياً ومرآة عاكسة لروح مجتمع يجمع بين عراقة الماضي وألق الحاضر، إنه ليس مجرد فن لتخليد الملامح الجسدية، بل هو غوص في أعماق الهوية، ونبشٌ في خبايا قصص إنسانية تنطق بأسرار الوجوه، لتروي كل نظرة فيها حكاية، وكل خط فيها تاريخاً، مجسدةً بذلك التفاعل الفريد بين الفن والحياة.
وبتقنيات إبداعية تراوح بين الواقعية والتجريد، تأسرنا اللوحات بصدقها وعمقها، حيث يسعى الفنانون إلى التقاط جوهر الشخصية وفرادتها، متجاوزين حدود الظاهر.
ومستلهمين من حداثة المشهد الفني المعاصر، ما يؤكد أن البورتريه في الإمارات بات مساحة خصبة للتعبير عن الذات والآخر، وأسلوباً يجسد دور الفن في التواصل بين الأجيال والثقافات.
وأوضح الفنان الإماراتي سالم الجنيبي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمؤسسة «التفكير فنياً» للنشر والثقافة والتعليم، ونائب رئيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، في تصريح لـ«البيان»، أن جماليات فن البورتريه تجلَّت بوضوح في معرض «وجوه» الذي أقيم أخيراً في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية؛ مشيراً إلى أنه ضمَّ فضاءً ثقافياً وإنسانياً احتفى بالإبداع الجماعي وبقدرة الفن على نسج معانٍ مشتركة بين الفنان والمتلقي.

وقال الجنيبي: «برز التنوع في الأساليب والخامات عبر الرسم والتصوير والنحت والفن التركيبي والوسائط الرقمية، فيما مثّل المشاركون طيفاً واسعاً من الجنسيات والثقافات، ما منح المعرض بعداً عالمياً ومحلياً في آن معاً».
منوهاً بأن «هذا التجمع الفني احتضن حوارات تتصل بالهوية والذاكرة والوجدان، ووضع بين أيدينا مواد بصرية تفتح آفاق التأويل والتأمل وتثري المشهد الثقافي في الإمارات».
من جانبها، أكدت الدكتورة نهى هلال فران، أكاديمية وباحثة في الفن والتراث والذاكرة الثقافية، ومتخصصة في الجماليات والأنثروبولوجيا البصرية، أن تاريخ البورتريه يبدو كمسار تحولي عميق يعكس تبدل علاقة الإنسان بصورته، وانتقاله من التقديس إلى التأمل.
، ومن الرمز الجمعي إلى البوح الفردي، لافتة إلى أنه في الحضارات القديمة، كان الوجه يستحضر ضمن منظومات طقسية وتذكارية، تؤدي وظيفة الحفاظ على الحضور في مواجهة الفناء.
وقالت: «كانت الملامح تتشكل بوصفها امتداداً للروح أو علامة للسلطة الإلهية. ومع العصور الكلاسيكية، أخذ التمثيل يتجه نحو الصياغة الواقعية والانضباط الجمالي، فغدت الملامح وسيلة لتمجيد الجسد المثالي وإعلاء مفهوم الجمال المتناسق».
مبينةً أن عصر النهضة شكَّل المنعطف الحاسم الذي أرسى أسس الوعي بالذات الإنسانية؛ إذ تحوّل الوجه من مجرد قناع رمزي إلى مجال للمعرفة النفسية والتأمل البصري.
وأضافت الدكتورة نهى: «تراكمت في تلك المرحلة دراسة الضوء والمنظور والعمق، فتبدى الإنسان كعالم داخلي نابض، تتجسد فيه التجربة الفردية والكيان المعنوي.
ومع اختراع التصوير الفوتوغرافي، تغيرت آليات تمثيل الوجه جذرياً، فصارت الصورة وسيلة للذاكرة، وسجلاً اجتماعياً يحفظ أثر الوجود ويوثق ملامح الطبقات والعلاقات. ومع الحداثة وما تلاها، اكتسب البورتريه أبعاداً جديدة تحول فيها الوجه إلى ساحة للمساءلة والتعبير».
وذكرت أن البورتريه اتخذ في العصر الرقمي شكلاً هجيناً تنتجه الخوارزميات والبيانات كما تعيد صياغته الشاشات، وتتكثف فيه إمكانيات التشخيص والتشظي، ويتحول الوجه إلى شبكة من الإشارات القابلة للتعديل والدمج، بين الأصالة والتصنيع، وبين الحضور الواقعي والافتراضي.
مشيرةً إلى أن الوجه هكذا يصبح نصاً بصرياً مفتوحاً، تُقرأ طبقاته عبر تقاطعات الوسائط والتقنيات، وتستعاد من خلاله أسئلة الذات والتمثيل والهوية.
وخلال لقاءات مع فنانين في الإمارات أبدعوا في فن «البورتريه» وفق اتجاهات إبداعية ذات رؤى فكرية مختلفة، أوضحت الفنانة إسراء رمضان أن لوحتها المرسومة بالفحم على كنفس، التي حملت عنوان «عناق الذات»، تنتمي إلى الأسلوب السيريالي الرمزي.
وهي تعبير عن محاولة لعناق مع النفس لا يكتمل، لكنه يكشف عن شخصيتها أكثر مما يريحها، مشيرة إلى أنها حاولت عبر هذا العمل الفني أن تواجه ذاتها كما هي بتعدّدها وتناقضاتها.
وقالت: «أرسم وجهي، لكن أكتشف وجوهاً أخرى تسكنني، وجوهاً خائفة، متأملة، منهكة، تبحث عن سكينة مؤقتة، ويمثل طائر البومة في أقصى اللوحة عزلتي ووعيي، فهو يراقبني من بعيد كأنه يعرف ما لا أجرؤ على قوله»، مبينة أنها اختارت الفحم لأنه الأقرب لملمس روحها، فهو خامة صادقة تكشف ولا تجمّل، وحادة أحياناً وناعمة أحياناً أخرى.
من جهتها، استعرضت الفنانة آلاء كفوزي تفاصيل تجربتها الفنية التي تشكلت من خلال لوحة بعنوان «صورة شخصية»؛ إذ ترجع بدايات الفكرة إلى عام 2021، عندما جذبت اهتمامها صورة فوتوغرافية بجمالياتها الأخاذة، مشيرةً إلى أنها رأت في تلك الصورة ما يشبهها ويعبّر عن شخصيتها، فأرادت عن تعيد تصويرها بالرسم بأسلوبها الخاص.
وقالت آلاء: «شعرت بأنني في حاجة إلى أن أعيش داخل حكاية تلك الصورة التي توحي شخصياتها بإحساس ملؤه الراحة النفسية والسكينة، كما أن الزخرفة في الخلفية استفزت طاقاتي الإبداعية».
موضحةً أن تفاعل الفن التشكيلي مع الفن الفوتوغرافي لم يكن شيئاً غريباً؛ لأن أساسيات التصوير الحالية مستمدة من الرسم الزيتي من حيث الألوان وغيرها من العناصر التي تطورت فيما بعد إلى هيئتها المتعارف عليها الآن.

