فى هذا العام عاد ترامب إلى سدة الحكم فى أمريكا، فهل تأثرت الموسيقى؟!.. نعم.. لقد أثار الرجل القلق بما يكفى فى الشرق الأوسط بأكمله.. وفى أوروبا أيضا.. فهل تستقيم النغمات مع إيقاع قلق؟!
فى هذا العام ضربت إٍسرائيل وترسانتها الصهيونية عمق إيران.. وعاش العالم بأسره أياما من الانتظار ما بين الهجوم والرد.. فهل اختفت المقامات الفارسية من “النوتة الموسيقية”؟..
هل اتجه الشرقيون إلى إيقاعات الغرب هربا من “الصواريخ” والطائرات المسيرة؟!
هذا العام.. واصلت روسيا وأوكرانيا حربهما غير المفهومة التى تحولت إلى مدى مفتوح لا تبدو له نهاية.. فهل سيطر الشتاء الروسى على رقصات زوربا وموسيقاه فى أوروبا؟!
هذا العام.. البحر الأحمر تغيرت ألوانه، واضطربت أمواجه.. وتسببت صواريخ المقاومة المنطلقة من اليمن إلى بطن العدو فى تل أبيب فى حصار سفن الطعام فى القنال.. وارتفعت أسعار القمح، فهل توقف العالم عن “الأكل”؟.. هل توقف الرقص؟.. هل نقصت حفلات الزفاف.. واعتذرت الفنادق للعرائس عن لياليهن السعيدة؟!
إنه عام الحرب بامتياز.. من التجارة والاقتصاد إلى علوم الاتصالات والذكاء الاصطناعى.. إنه عام التحولات قبل الأخيرة فى عالمنا الجديد.. ربما.. لكنه على كل حال لم يكن مختلفا عن عالم الموسيقى.
غاب الكثيرون.. لم تعد هناك شركات إنتاج كبرى تدعم الموسيقى.. سيطرت المنصات على العالم الجديد، وبرزت كقوة ناعمة جديدة تهدد عرش الإعلام القديم.. ومن الطبيعى أن تقصدها الموسيقى باعتبارها الوسيط الأكثر سرعة فى الوصول إلى “المستهلك”، والأكثر تأثيرا على قلوب وعقول الأجيال الجديدة والقديمة على حد سواء.
وحيث يوجد هؤلاء “المستهلكون”، توجد الإعلانات.. وحيث توجد الإعلانات توجد الأغنيات الجديدة والمطربون الجدد.. فهل سمعتم شيئا عن موسيقى جديدة؟
إنه عام مضطرب حقا.. ولأنه كذلك جاءت موسيقاه مضطربة أيضا.. وفى هذا العالم غير المستقر لا ينجو سوى أصحاب الخبرة.. وهذا ما حدث.. حيث سيطرت أغنيات العائد فضل شاكر وِأصالة نصرى وعمرو دياب ومحمد منير وأحمد سعد على المشهد من أول يناير وحتى ديسمبر.. فيما تواجد حمزة نمرة منفردا من أبناء الجيل إلى جوار عدد قليل من الأغنيات المميزة لرامى جمال وأنغام وآمال ماهر.
لم تختف أغنيات “العشوائيات”.. وأشكال التمرد الموسيقى التى هى بلا ملامح.. مثلها مثل معظم الظواهر الطارئة، لكنها لم تسجل حدثا موسيقيا يدوم.
عودة المخطوف.. بشعار رومانسى قديم
فضل شاكر هو الأكثر تميزا هذا العام بلا شك.. عاد بقوة أربكت ساحة الموسيقى فى الشرق الأوسط.. عشر أغنيات متفرقة كانت كفيلة بإعادته رغم الحصار إلى صدارة “التريند”.. والأهم إلى جمهور جديد لا يعرفه.. ولا يعرف سوى أخبار تقلباته وحصاره ومحاكماته التى لم تنته بعد.
فضل شاكر عاد عبر بوابة موسيقية قديمة تحمل ملامح زمن بليغ حمدى والموجى وكمال الطويل.. وفى طريق عودته جاء بشاعرة وملحنة يمنية مجهولة تماما وغامضة أيضا، حيث إنها ترفض الظهور الإعلامى تماما.. ولا يعرفها سوى عدد محدود من الموسيقيين فى الخليج.
جمانة جمال، صاحبة أجمل أغنيات هذا العام “إلا وأنا معاك.. هوى الجنوب.. صحاك الشوق” لم تكن بدايتها مع فضل شاكر.. هذه الشابة العشرينية بدأت مع كاظم الساهر من خلال أغنية مكتوبة بالفصحى.. لكنها مع فضل قدمت نفسها كشاعرة تكتب بجميع لهجات العرب، من الخليجى إلى المصرى إلى اللبنانى.. وكملحنة صاحبة جملة موسيقية شرقية بامتياز.. والأهم أنها بدون فذلكة أو أى صياغات جمالية شعرية تنفذ ببساطة إلى قلوب مستمعيها وهى “الماستر سين” الذى يعمل به وعليه فضل شاكر منذ بداياته مطلع تسعينيات القرن الماضى..
“صحاك الشوق من نومك
وبقلبى تعا كفّى نومك
لا يومى يخلص ولا يومك
إلا بلقاك يا حبيبى
الدنيا منعيشها مرة
يخلها حلوة.. ليه مرة
راح ضل أحبك كل مرة
مثل الأول يا حبيبى”.
لا توجد أية تعقيدات فى كلمات جمانة جمال.. القادمة من جبال اليمن الذى لم يعد سعيدا.. والذى لا يزال مضطربا قلقا.. لكن ابنته تكتب جملتها الموسيقية الواضحة بلا قلق.. وقد وجد فضل شاكر غايته فى حروفها التى صاغها حسام صعبى فى شكل موسيقى بسيط اعتمد بشكل أساسى فيه على آلات شرقية أكثر بساطة.. العود.. القانون.. كمنجات دافئة ربما نحتاجها فى شتاء هذا العام المضطرب..
تأكدت موهبة جمانة.. وقدرة شاكر على النفاذ فى عشر أغنيات متتالية جميعها يكرر الطرق على باب “الحب” بتفصيلاته البسيطة.. وربما هذا ما نحتاجه الآن.. الجنوب الذى يحاصر شاكر ويرقد خلف جبله بنظارة سوداء تخفى وراءها “خيابات عربية متتالية” بانسحاق لبنان وسقوط سوريا.. ومن قبلهما العراق.. ربما نحن فى حاجة إلى استنشاق عطوره القديمة حتى وإن كان ذلك عبر موسيقى “فضل شاكر”.
“بكرة البعد بيروح
بيعرف دوا الجروح
ويطفى النار اللى فيا”.
عمرو دياب “خطاف النغمات”
يعرف الكثيرون أننى لست من جمهور عمرو دياب، لكننى لا أتجاهل حضوره المستمر، وقدرته على النفاذ إلى أجيال جديدة فى كل عام جديد..
كالمعتاد حاول دياب تقديم صورة “الهيرو”.. النجم.. صاحب “الألوان الجديدة” و”الموضات” الأكثر حداثة.. لكنه هذه المرة حاول التأكيد على هويته “العربية” عبر جمل موسيقية.. ربما لم تكن مستقرة تماما أو لها السيطرة الكاملة.. فى بعض أغنياته.. وربما كانت “رمش خطاف” هى الأكثر تعبيرا عن تلك الرؤية.. محمد يحيى ملحن “صعيدى” يحفظ تراث الصعيد جيدا ويجيد استخدام نغماته الشرقية فى أشكال حديثة.. وجد غايته هذه المرة فى كلمات “ملاك عادل”..
“رمش خطاف والسحر أصناف
وأنا قلبى يتخاف عليه يا بابا
ورد يتشال ولونه قتال
شغلنى وأزال ما فات يا بابا”..
ورغم أننى لا أعرف ماذا تغنى “ورد يتشال” فإن اختيار ملاك لتفعيلة سريعة من بحر “الكامل” سمحت باستعادة التفعيلة كقطع موسيقى متكرر..
وسمحت للموزع باستعارة طقس شرقى ربما أقرب إلى روح موسيقى الهند مع مزامير صعيدية راقصة.. كل هذه الخلطة منحت دياب فرصة اعتلاء “التريند” لشهور.. وربما لشهور أخرى مقبلة.
أغنيات عمرو دياب التى تجاوزت العشر أغنيات هذا العام.. فيها كثير من الجهد والتنوع.. لم يستقر على شكل غنائى واحد.. من بهاء الدين محمد وأيمن قمر، إلى مصطفى حدوتة، وهو أضعف ما فى حكاية دياب هذا العام لكنه “موضة” فى زمن المهرجانات لا يستطيع دياب تجاوزها.
موسيقيا.. لا يتوقف عمرو عن البحث، وخبرته “كمستمع” تنتقل بين موسيقات العالم.. وكموسيقى، لا يستطيع التخلى عن شرقيته فى الوقت نفسه.. وأعتقد أنه نجح فى الحفاظ على موقعه فى مقدمة الرائجين فى منصات التواصل والموسيقى معا.. ومثله فعل محمد منير.. مع فارق بسيط أن منير يعانى من مشاكل صحية.. ولا توجد مؤسسة جماعية تسانده.. فمنير فقد منذ سنوات الكبار الذين كانوا يحاوطونه، فأصبحت أعماله انتقائية تحكمها الصدفة، وإن غلبت خبرته أحيانا.. منير المستمر بأغنيات أحمد زعيم وعصام كاريكا وأخيرا دويتو شاركه فيه “ويجز”، لم تهزمه حروب العالم.. وفيروسات الأوجاع.. حتى إنه شارك فى أكثر من حفل وهو يغنى جالسا على كرسى.. منير كان وسيظل زاد الحالمين فى كل عام.. وليس فى هذا العام فقط.
“أنا الذى عايش رايق
باسمع ف أغانى وسايق
ولعتى فى القلب حرايق
قوليلى مين ييجى يطفى”..
ربما تنطفئ حرائق منير.. لكن هل ستنطفئ حرائق العالم من حولنا فى عام جديد؟.. ربما.. وحتى يحدث ذلك سنظل نستمع إلى أغنيات عابرة من حدود العام المنصرم وفى مقدمتها أغنيات أصالة نصرى وأحمد سعد.. وكلاهما يعبر عن ذائقة شرقية واضحة.. كلاهما لا يعمد إلى أى موسيقى غرائبية حيث يعتمدان على قدرات صوتية هائلة ونغمات شرقية وإيقاعات معتادة محفوظة ومستساغة مع تغيير بسيط أحيانا فى شكل توزيعاتها الموسيقية.. ويتميز كلاهما بتقديم أسماء جديدة فى عالم الكتابة والتلحين، وهذا ما حدث هذا العام أيضا.. وهو ما سنلاحظه فى أغنيات “العنب الساقع.. كلام فارغ.. كل التفاصيل.. ضريبة البعد”.. ومع أحمد سعد أغنيات ألبوم كامل حاول أن يقدم فيها ما سماه “الموسيقى التى يحبها”.. وبرز من أغنيات ذلك الألبوم أغنية “بسيط” للشاعر نادر عبدالله.. لكن سعد سرعان ما عاد إلى أغنياته الدعائية.. التى تنتهى سريعا بنهاية الغرض الذى صنعت من أجله.
بعيدا عن كل هؤلاء يستمر حمزة نمرة يغرد وحيدا، صانعا تجربة مميزة تستقطب جمهورا مختلفا.. تجمع بين كلمات شاعرة وموسيقى مغايرة وروح شعبية قادمة من عالم سيد درويش وبليغ حمدى ومحمد فوزى وعدوية والتراث الشعبى أحيانا.
هذا هو الموجز.. أما التفاصيل فأعتقد أنها لا تختلف كثيرا عن تفاصيل ذلك العام القلق المجنون.. فالموسيقى والناس وجهان لعملة واحدة..

