خلال أيام قليلة، تحول حفل موسيقي أقيم في بيروت إلى قضية رأي عام. فالحفل المعني لا يشبه أي حفل آخر لأن من يقيمه هو الكاهن الكاثوليكي البرتغالي بادري غويليرمي الذي يعرف بـ”كاهن الدي جي”، ويقيم حفلاته مرتدياً الزي الكنسي، وفيها يخلط بين موسيقى الـ”تكنو” ولقطات من خطابات بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر. لم تكن هذه الحفلة الأولى التي يحييها الكاهن على مستوى العالم، إلا أن قدومه إلى لبنان ليحيي حفلاً موسيقياً ضمن جولة “الأمل 2026” أثار موجة من الاحتجاجات، وقد تصاعدت الأصوات المعارضة للمطالبة بمنع الحفل.
وقد ردت قاضية الأمور المستعجلة في بيروت أماني مرعشلي طلب وقف الحفل بعريضة قدمها 18 شخصاً من بينهم كهنة لانتفاء الصفة القانونية للجهة المستدعية، ومن دون البحث في أساس القضية أو في مسألة حرية التعبير من خلال الفن، وبعد الجدل الثقافي والديني والاجتماعي، أحيا الكاهن الحفل في ملهى ليلي في بيروت، إنما بشروط معينة فرضت استجابة للأصوات المعارضة له.
حفلات وتبشير على مستوى العالم
كان الأب غويليرمي دخل الكهنوت عام 1999 قبل أن يصبح لاحقاً مرشداً روحياً في صفوف الجيش البرتغالي. حتى إنه كان يرافق الجنود في مهام خارجية إلى مناطق النزاع في كوسوفو وأفغانستان. مضت أعوام عديدة قبل أن يخوض التجربة الموسيقية بأسلوبه الخاص، وأصبح يلجأ إلى الموسيقى كدعم نفسي للجيش، ثم توسع بمشروعه وأصبحت له أبعاد روحية كبرى. ومع عودته إلى بلاده حيث تلقى دروساً في الموسيقى، بدأ ينظم حفلات موسيقية يعود ريعها لدعم رعيته. شيئاً فشيئاً، حققت عروضه الموسيقية انتشاراً واسعاً على المستوى العالمي، واستقطبت كثيرين بسبب طابعها الذي مزج بين الألحان الدينية والإيقاعات الحديثة بأسلوب الـ”تكنو”. وعد الكاهن الموسيقى جسراً نحو الإيمان، واعتمد عليها لتقريب الشباب من الله.
بين المعارضة والتأييد
إلا أن هذا الأسلوب الذي اعتمده، لم يلق تقديراً جماعياً في لبنان، فما إن بدأ الترويج للحفل الموسيقي حتى بدأت تتصاعد الأصوات المعارضة له فيما قابلتها أخرى دافعت عن النهج الذي يتبعه، والذي يمزج بين موسيقى الـ”تكنو” والترانيم الدينية والتسبيحات. تلك الأصوات المدافعة رأت أن الكاهن الذي جال العالم اعتمد لغة الشباب من دون أن يخلع اللباس الكنسي، ليقربهم من دينهم ويفتح نافذة لمن لا يدخلون الكنائس حتى لا يبتعدوا أكثر عن الكنيسة. فهو يحمل هم الشباب مع تقربه منهم بلغة العصر وينقل رسالة روحية محورها الفرح والموسيقى كلغة تواصل عالمية. كما رأى المدافعون أن الكاهن لم يستخدم أسرار الكنيسة في الحفل، ولم يقم قداساً إلهياً في ناد ليلي، ولم يمس بالمذبح أو يبدل فيه ليقيم حفلاً. يضاف إلى ذلك حصل على مباركة المرجعيات العليا كونه نال مباركة البابا فرنسيس لمسيرته وقد شجعه في ما يقوم به، وشارك البابا لاوون الرابع عشر برسالة فيديو للشباب في إحدى حفلاته.
أما المعارضون فأجمعوا على أن الكاهن يخالف تعاليم الكنيسة ويمس بالشعائر الدينية بهذا الأسلوب الذي يتبعه ويشوه صورة الدين المسيحي وطقوسه، خصوصاً أنه يحيي هذه الحفلات باللباس الكهنوتي وتقدم الكحول فيها، وتظهر مشاهد عري في هذه الحفلات كما أظهرت فيديوهات تم تداولها عن حفلاته على وسائل التواصل الاجتماعي.
تلك الأصوات المعارضة قررت الوقوف في وجه إقامة هذه الحفلة عبر مواقف اعتراضية عديدة منها التقدم بعريضة لدى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت طلباً لمنع الحفل “الذي يخالف الأخلاق وتعاليم الكنيسة ويشوه صورة الديانة المسيحية”. لكن رد الاستدعاء المقدم لوقف الحفلة الموسيقية لانتفاء الصفة القانونية للجهة المستدعية التي لم يثبت تمثيلها لأي مرجعية أو هيئة دينية رسمية، أدى إلى استمرار الجدل حول هذه القضية واندفع المعارضون لاتخاذ مزيد من الإجراءات لمنع إقامة الحفل، ولوحوا بالذهاب إلى التظاهر السلمي، وحرق الإطارات، وإقامة وقفة احتجاجية أمام الملهى الذي يقام فيه الحفل، وحذروا من التصعيد الميداني بهدف صون إيمانهم ومعتقداتهم. واستمرت موجة الاعتراضات مع ازدياد الجدل حول الحريات وحدودها في الأوساط المسيحية، وعد المعترضون أن الكاهن خرج عن الدور الكهنوتي التقليدي مع تحويل الرموز الدينية إلى مادة ترفيهية في الملاهي الليلية، إلا أن المنظمين تعهدوا إقامة الحفل من دون استخدام الشعائر الدينية المسيحية فيه، وبعدم ارتداء الكاهن الثوب الكهنوتي المقدس أثناء عزف الموسيقى حرصاً على عدم المس بحرية الطرف الآخر، مما أدى إلى تعليق التظاهرة.
الكنيسة في الحياد
اللافت في هذه القضية التي أدت إلى ولادة انقسامات واعتراضات، وأثارت هذا الجدل الواسع في الأوساط المسيحية، كان صمت الكنيسة أمام ما يحصل وعدم إبداء أي رأي، وكأنها تقف على الحياد من دون التعبير بصراحة وبصورة رسمية عن موقفها مما يحصل. ولمعرفة موقف الكنيسة من هذه القضية، أوضح مصدر كنسي أن الكنيسة اتخذت قراراً بعدم التعبير عن موقفها من هذه القضية، خصوصاً أن الكاهن البرتغالي حاصل على مباركة البابا الذي يعد المرجعية العليا في الكنيسة الكاثوليكية. أما عن الأصوات المعارضة دفاعاً عن الديانة المسيحية فأكد المصدر أنها لا تمثل الكنيسة، وإن كان بعض المعترضين هم من الكهنة، فكل يعبر عن موقفه الخاص ولا ينقل الموقف الرسمي للكنيسة. أما الكنيسة، فحريصة على عدم الإدلاء بأي تصريح رسمي بهذا الشأن، وكان هناك اتفاق على ذلك، وهي لا تسجل أي اعتراض على هذا الموضوع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حفل ناجح من دون طابع ديني
بعد إقامة الحفل، كثر التداول بلقطات منه على وسائل التواصل الاجتماعي تأكيداً على نجاحه، بحضور قرابة 2500 شخص، وكما جرى الاتفاق أحيا الكاهن الحفل من دون أن يرتدي اللباس الكهنوتي، كما أنه لم يتناول الشعائر الدينية في الحفل.
في سعينا إلى متابعة الآراء بشأن الحفل بعدما أقيم، أكدت سيدة حضرته، على رغم اعتراضها عليه ورفضها فكرة أن يحيي كاهن حفلاً موسيقياً، “أن الحفل أقيم في ملهى ليلي كان يعج بالمثليين، وكانت هناك مشاهد لا تمت بأي شكل من الأشكال لصورة الديانة المسيحية والكاهن، خصوصاً مع استهلاك الكحول والسكر، كما في أي ملهى ليلي”، وأضافت “لم تتخلل الحفل رسائل تبشيرية لها علاقة بالدين المسيحي، ولم يتضمن ما يمكن أن يقرب الشباب من الدين. لم يكن له هذا الطابع أبداً، بل كان مشابهاً لأي حفل يقام في ناد ليلي، علماً أن السهرة كانت قائمة في المكان أصلاً وحضر الكاهن عند منتصف الليل ليحييها بموسيقى التكنو”، وشددت على أن هذا الحفل لا يمثل المسيحيين إطلاقاً.
من جهتها، أكدت إحدى السيدات، تدعى جوسلين، أن إقامة كاهن حفلاً موسيقياً في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يكون لائقاً بأي شكل من الأشكال، “فعندما يأتي كاهن بلباسه الكهنوتي ليحيي حفلاً يستهلك فيه الساهرون الكحول وتحصل فيه أمور فيه فحش، لا يمكن اعتبار ذلك لائقاً لصورة الديانة المسيحية، وهو تشويه للكنيسة وأسرارها، وهذا ما لا يمكن تقبله أبداً”.
وعبرت سيدة أخرى عن معارضتها فكرة إقامة حفل موسيقي باللباس الكهنوتي، “في وقت يجب على الكاهن الالتزام بتعاليم الكنيسة وقوانينها التي لا يمكن تخطيها بإحياء حفلات في ملهى ليلي”، وعدت أن إقدامه على إحياء هذا الحفل قد يعود إلى مبدأ “خالف تعرف” بحيث يسمح له ذلك بتحقيق مزيد من الانتشار بهذه الطريقة. وأكدت أن فكرة تقريب الشباب من الكنسية، إذا كان ذلك فعلاً هدفه، يمكن تطبيقها في مسارح وصالات للكنائس أو في أماكن أخرى لائقة لا في الملاهي الليلية، “فلا يعد الملهى الليلي لائقاً بتعاليم الكنيسة للتواصل مع الشباب وتقريبهم من الدين”، وأشارت إلى أن الصلاة لم تكن يوماً حكراً على مكان معين، “فيمكن الصلاة في أي مكان كان، لكن ليس في الملهى الليلي حيث تستهلك الكحول، وهناك عري وسكر ومشاهد لا تليق بالصلاة والرموز الدينية والديانة المسيحية، فللصلاة مكانها الذي يلائمها، ويكون هناك التزام بقوانين العمل في أي مكان، ويجب احترام قوانين الكنيسة لأن التساهل المفرط اليوم في تعاليمها يسهم في ضياع الناس، وهذا لا يقربهم منها بل يدفعهم إلى التقليل من احترامها جيلاً بعد جيل. هذا ما يؤدي إلى التقليل من احترام الرموز الدينية والديانة المسيحية، ويزيد الاستهتار، وهذا ما يؤدي أيضاً إلى إبعاد الناس أكثر فأكثر من الله”.
آراء متفرقة لشبان حول الحفل
ثمة آراء متفرقة لشبان حول الحفل والظروف التي يحيي فيها الأب بادري غويليرمي حفلاته، وتساءلت ماريا عن دوافع كاهن يحيي حفلاً موسيقياً بهذه الظروف، “فثمة حفلات تقام وتحمل طابعاً دينياً خارج لبنان، لكنها لا تقام بظروف مماثلة حيث تستهلك الكحول أو في ملاه ليلية”، واستغربت أن تسمح له الكنيسة بالقيام بما يفعله من دون التدخل.
أما كلويه فاعترضت على وجود كاهن في ملهى ليلي، “وهو ينشر آيات من الإنجيل فيه، وينشر صوراً للبابا، ما ليس مقبولاً أبداً، خصوصاً مع استهلاك الكحول، فهو تشويه للديانة المسيحية”.
وعدت لارا أيضاً أن ما يحصل عيب، “وإن كان البعض يعده انفتاحاً لأن الساهرين يرقصون ويشربون الكحول وهم في حال سكر وعري ربما، وهو يمرر آيات من الإنجيل على وقع موسيقى التكنو”، وعدتها “قلة احترام للرموز الدينية المسيحية، وهو ما ليس مقبولاً”. ولفتت إلى أن تمثيل الكنيسة لا يكون بهذه الصورة، “وما يقوم به الكاهن لا يليق بدوره فكان حرياً به الصلاة ونقل رسائل دينية للشباب في أماكن لائقة، ويمكن أن يحصل الرقص في الأماكن المخصصة له بعيداً من الرموز الدينية، فالخلط بين الحفلات والدين وصور البابا والصليب، تشويه للرموز الدينية والديانة والصلاة، والله لا يريدنا أن نصلي بهذه الصورة بل في الكنيسة حيث تقام التراتيل، وقد نحتفل في أماكن مخصصة لذلك”.
كذلك عدت سارة أن ما يحصل معاد لتعاليم الكنيسة، و”أن المزج بين موسيقى التكنو، والتسابيح، والترانيم الدينية غير مقبول أبداً، لأن طابع موسيقى التكنو معروف، وإذا أراد أن يكون دي جي، حري به ألا يدخل الصلاة والرموز الدينية في ذلك”.
أما ريان فشجع من جهة هذه الفكرة “لأنها وسيلة للتبشير بالله لأشخاص من الممكن أنهم ابتعدوا عن الكنيسة، وقد يساعد ذلك على تقريبهم منه بشكل من الأشكال. والكاهن هنا يحاول التبشير”، لكن في الوقت نفسه لا يرى ريان “أن ما يحصل ملائم للصلاة والتقرب من الله؛ لأن في الصلاة صمتاً وخشوعاً وعودة إلى الذات، وهذه الأجواء لا توحي بذلك أبداً وهي ليست مقبولة وغير لائقة”.
من جهته، عد ماريو أن ما يحصل خطأ كبير، مؤكداً أنه يجب على الكنيسة الحفاظ على تقاليدها المعتمدة من أكثر من 2000 عام، “ولا يمكن تغييرها مواكبة للعصر، لكن في الوقت نفسه يفضل عدم إلقاء الأحكام على الكاهن وتوجيه الاتهامات إليه كما يفعل البعض، لأن الجميع يخطئون، والسيد المسيح علمنا ألا نحكم على أحد، وإن كان ما يحصل خطأ”.
وكان ليورغو رأي مختلف، معتبراً أن ما يفعله الكاهن ليس خطأ انطلاقاً من فكرة كونه كاهناً، “وهو يدرك جيداً ما يفعله لتقريب الشباب من الله بعدما لاحظ أن الشباب يبتعدون أكثر فأكثر من الله ومن كلامه في أيامنا هذه. هو يدرك أن جيل الشباب يعشق الموسيقى، فقرر الجمع بينهما عبر الاعتماد على الموسيقى كلغة تواصل تقرب الشباب من كلمة الله لتحسين العلاقة معه. والأهم أنه حصل على مباركة البابا وهو رأس الكنيسة، وهو لا يتصرف من تلقاء نفسه”، وأوضح أنه في سهراته في الخارج، يمنع الكحول والتدخين، لذلك لم يشعر يورغو أن ما يفعله الكاهن خطأ بل على العكس، “لأن هدف المسيحيين هو تقريب الناس أكثر من الله والتبشير بكلمته، أما عن ردود فعل الشعب اللبناني فغير مقبولة، لأن ثمة انتهاكات أفظع من ذلك بكثير، وكان من الأفضل التنبه لها بدلاً من توجيه أصابع الاتهام إلى الكاهن”.

