يدخل قطاع الفلاحة مرحلة عملية جديدة، بعد قرار إنشاء تعاونيات متخصّصة في كراء العتاد الفلاحي، واستحداث مجلس وطني للمكننة، في خطوة تنقل المشروع من مستوى التوجيهات إلى التجسيد الميداني. ويهدف هذا القرار إلى توسيع المساحات المزروعة ورفع المردودية، كما يضع الفلاح في صميم مسار التحوّل نحو فلاحة أكثر تنظيما ونجاعة.
قرر رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إنشاء تعاونيات متخصصة في كراء العتاد الفلاحي بمختلف أنواعه لفائدة الفلاحين، خلال اجتماع عمل خُصص لملف المكننة الفلاحية، في خطوة تهدف إلى توسيع المساحات المزروعة ورفع مردودية الإنتاج الوطني. ويأتي هذا القرار تنفيذا لتوصيات مجلس الوزراء الأخير، في إطار مسعى رسمي لتجاوز العراقيل الهيكلية التي تواجه القطاع الزراعي.
ويعكس هذا التوجه إرادة الدولة في الانتقال من الحلول الظرفية إلى آليات تنظيمية دائمة، تُمكّن الفلاحين، خاصة صغارهم ومتوسطيهم، من الاستفادة المنتظمة من العتاد الفلاحي دون أعباء مالية كبيرة. ومن شأن هذه التعاونيات أن تضمن توزيعا عادلا للآلات الزراعية، وتساعد على ضبط رزنامة الأشغال الفلاحية في مواعيدها المثلى، بما يحد من الخسائر ويرفع وتيرة الإنتاج.
وفي السياق ذاته، قرر رئيس الجمهورية استحداث مجلس وطني للمكننة الفلاحية، يكون بمثابة هيئة تنسيقية تضبط الرؤية الاستراتيجية للمكننة، وتتابع تنفيذ السياسات القطاعية ذات الصلة. ويُنتظر أن يسهم هذا المجلس في توحيد الجهود بين مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات المختصة، بما يسمح بتخطيط عقلاني يتماشى مع احتياجات الميدان.
وحضر الاجتماع كل من مدير ديوان رئاسة الجمهورية، الوزير الأول، ووزراء الفلاحة، الصناعة، والتجارة الخارجية وترقية الصادرات، إلى جانب مسؤولي شركات جزائرية مختصة في صناعة العتاد الفلاحي.
وتندرج هذه القرارات ضمن استراتيجية أشمل ترمي إلى عصرنة القطاع الفلاحي وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني، عبر الاعتماد على المكننة كرافعة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي. كما تعكس حرص السلطات العليا على بناء منظومة فلاحية أكثر كفاءة واستدامة، قادرة على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.
ماذا يعني إنشاء تعاونيات لكراء العتاد الفلاحي عمليا للفلاحين؟
وانطلاقا من هذا التوجه الذي كرّسته قرارات رئيس الجمهورية لعصرنة القطاع الفلاحي، يرى المهندس في التنمية، محمد عبد العزيز السحيباني، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن إنشاء تعاونيات لكراء العتاد الفلاحي يمثل تحولا عمليا في نمط الإنتاج الزراعي. فحسب تحليله، يضع هذا القرار حدا لهيمنة الاستثمار الفردي المكلف على العملية الفلاحية، حيث لم يعد الفلاح مضطرا لاقتناء معدات باهظة الثمن تفوق قدرته المالية. وبهذا، سيتمكن صغار ومتوسطي الفلاحين من الولوج إلى تجهيزات حديثة في التوقيت المناسب، وبكلفة مدروسة، دون تحمل أعباء الصيانة والتجديد، ما ينعكس مباشرة على تحسين الأداء الميداني ورفع جودة الإنتاج.
ويضيف السحيباني أن هذه الصيغة التعاونية تحقق نوعاً من العدالة في الوصول إلى الوسائل الإنتاجية، وتقلص الفوارق بين الفلاحين، بعدما كانت المكننة حكراً على فئة محدودة قادرة على الاستثمار. كما تسمح باستغلال أمثل للعتاد الفلاحي عبر تدويره بين المستفيدين وفق برامج مدروسة، بدل بقائه معطلا أو مستغلا بشكل جزئي. وهو ما يعزز من نجاعة الموارد المتاحة ويجعل المكننة أداة جماعية لخدمة التنمية الفلاحية الشاملة، وليس امتيازا فرديا محدود الأثر.
كيف سيساهم المجلس الوطني للمكننة الفلاحية في تطوير القطاع وتنظيمه؟
وفي امتداد لهذا المسار الإصلاحي الذي انطلق بتعميم التعاونيات، يوضح المهندس محمد عبد العزيز السحيباني أن استحداث المجلس الوطني للمكننة الفلاحية يمثل خطوة مؤسساتية غير مسبوقة لتنظيم هذا القطاع الحيوي. فبحسبه، يضع هذا المجلس لأول مرة إطارا تنسيقيا يجمع مختلف الفاعلين حول رؤية موحدة، تسمح بتحديد الاحتياجات الحقيقية من العتاد حسب خصوصيات كل منطقة وكل شعبة فلاحية. كما سيساهم في ضبط معايير الاقتناء والاستعمال، بما يحد من التبذير وسوء التوزيع الذي طبع المرحلة السابقة، ويضمن توجيه الموارد نحو الأولويات الفعلية للإنتاج.
ويضيف السحيباني أن المجلس سيكون حلقة وصل استراتيجية بين الفلاح والصناعة الوطنية وصانع القرار، ما يفتح المجال أمام توجيه الإنتاج الصناعي المحلي وفق متطلبات الميدان الفلاحي بدل منطق العرض المعزول عن الواقع. هذا التكامل، برأيه، سيسمح ببناء منظومة متماسكة تجمع بين تطوير المكننة وتحفيز الصناعة الوطنية، بما يعزز من القيمة المضافة المحلية ويقلص التبعية للاستيراد، ويكرّس في النهاية نموذجا تنمويا قائما على التنسيق والتخطيط بدل الحلول الظرفية.
هل تمثل هذه القرارات نقطة تحول حقيقية نحو فلاحة عصرية ومردودية أعلى؟
وفي سياق استكمال هذه المنظومة المؤسساتية والتنظيمية التي يؤسس لها قرار استحداث المجلس الوطني للمكننة الفلاحية، يؤكد الخبير الفلاحي، لعلى بوخالفة في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أن هذه الإجراءات تمثل بالفعل نقطة تحول مفصلية في مسار القطاع. فبرأيه، لم تعد المكننة مجرد خيار تقني ظرفي أو إجراء داعم محدود الأثر، بل أصبحت رافعة استراتيجية ذات بعد سيادي، تهدف إلى رفع مستويات الإنتاج، وتوسيع المساحات المزروعة، وتقليص التبعية الغذائية للخارج. هذا التحول يعكس انتقال الدولة من منطق المعالجة الآنية للمشاكل إلى منطق البناء الهيكلي طويل المدى، القائم على التخطيط والاستثمار في أدوات الإنتاج.
ويضيف بوخالفة أن تأطير المكننة بشكل مؤسساتي، وإتاحتها بشكل جماعي عبر التعاونيات، يغير قواعد اللعبة داخل الحقل الفلاحي، حيث تتحول الفلاحة من نشاط تقليدي محدود المردودية إلى نشاط اقتصادي منتج ومستدام. هذا المسار، حسب تقديره، يتيح للفلاحين تحسين أدائهم التقني، ورفع جودة المحاصيل، وتقليص كلفة الإنتاج، ما ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية للمنتوج الوطني. وبذلك، تصبح الفلاحة قادرة على الاستجابة للطلب الوطني المتزايد، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ مكانتها كقطاع استراتيجي في الاقتصاد الوطني.
تعكس قرارات رئيس الجمهورية بشأن المكننة الفلاحية تحولا عميقا في مقاربة الدولة لتطوير القطاع، يقوم على الانتقال من الحلول الظرفية إلى بناء منظومة إنتاج متكاملة ومستدامة. فاستحداث تعاونيات لكراء العتاد الفلاحي، إلى جانب إنشاء مجلس وطني يؤطر هذا المجال، يضع الأسس العملية لفلاحة أكثر عدالة وكفاءة، تضمن وصول مختلف الفلاحين إلى الوسائل التقنية الحديثة دون أعباء مالية تثقل كاهلهم، وهو ما يعزز فرص النجاح الميداني لهذه السياسة الجديدة.
ومن زاوية أوسع، تبرز هذه الخطوات كجزء من رؤية استراتيجية تهدف إلى ترقية الفلاحة كرافد أساسي للأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية. فربط الصناعة الوطنية بالميدان الفلاحي، وتنظيم اقتناء واستعمال العتاد وفق حاجيات واقعية ومدروسة، من شأنه خلق تكامل فعلي بين القطاعات، وتحويل المكننة إلى أداة إنتاجية فعالة ترفع المردودية وتقلص الخسائر، وتفتح آفاقا جديدة للاستثمار وخلق مناصب الشغل في المناطق الريفية.
وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة لترجمة هذه القرارات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، عبر حسن التنفيذ والمتابعة والتقييم المستمر. فنجاح هذه التجربة سيكرس نموذجا جديدا للفلاحة الجزائرية، قائما على التخطيط والعقلنة والتكنولوجيا، ويؤكد قدرة الدولة على قيادة إصلاحات هيكلية حقيقية تخدم الفلاح وتدعم الاقتصاد الوطني وتؤسس لمستقبل غذائي أكثر أمنا واستقرارا.

