خرج علينا الموسيقار هاني مهنا، منذ أيام قليلة، بالعديد من التصريحات المثيرة للجدل حول عدد من رموز الفن المصري، وهي التصريحات التي استدعت منع ظهوره إعلامياً من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وإحالته إلى اتحاد النقابات الفنية لإعمال شئونه فيما يخص تلك التصريحات.. كل ما سبق هي أمور إدارية تم اتخاذها ضد الموسيقار هاني مهنا، لكنها ليست بيت القصيد في السطور القليلة القادمة.
تابعت، مثل غيري، عدداً من الفيديوهات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي التي حملت بعضاً من تلك التصريحات؛ لكن استوقفني تصريح واحد أعتقد أنه خارج إطار التصريحات التي تم اتخاذ إجراءات ضده بسببها؛ وهو التصريح الخاص بالفنان عمرو دياب عند سؤاله عن النجوم الحاليين الذين يشبهون نجوم الزمن الماضي؛ فرد على الفور: «عمرو دياب يذكرني بعبدالحليم حافظ؛ هو مش مطرب لكنه ذكي جداً واستخدم ذكاءه في أنه يكمل النواقص الفنية التي المفروض أن تكون في المطرب».. التصريح حمل، في رأيي، الكثير من الظلم والإجحاف لموهبة عمرو دياب وتاريخه ونجاحه؛ بإحالة كل أسباب نجوميته وتربعه لأكثر من 40 سنة على قمة هرم الغناء في مصر والعالم العربي إلى ذكائه فقط وليس لموهبته؛ وهي نغمة سائدة منذ فترة ليست بالقصيرة عن عمرو دياب، ومن حين لآخر تخرج إلى النور بتصريح جديد من أحد المهتمين بالشأن الموسيقي؛ ولا أفهم سر حرص البعض على وضع عمرو دياب دائماً في خانة بعيداً عن خانة «المطرب»؛ ولا أفهم إلى ماذا يفتقر هذا النجم الكبير من إمكانيات صوتية ليجلس مرتاحاً في تلك الخانة؛ أولاً هو شخص أكاديمي ودارس موسيقى وليس مجرد هاوٍ؛ ولديه دراية تامة بالمقامات الموسيقية الشرقية؛ بجانب اطلاعه «المشهود له» على أحدث ما تصل إليه الموسيقى حول العالم يومياً.. ثانياً هو يتمتع بحلاوة الصوت وبقدرات صوتية تمكنه من الغناء من كل الطبقات، كما يملك القدرة على التنقل بين المقامات الموسيقية في اللحن الواحد بسلاسة شديدة، وهو ما يتضح في الكثير من أغنياته التي تظهر فيها المقامات الشرقية بوضوح.. ثالثاً يمتلك عمرو دياب القاعدة الجماهيرية الأكبر بين مطربي العالم العربي؛ وهناك الملايين من جمهوره ممن يستمتعون بالاستماع إلى الأغنيات بصوته وهذا يكفي؛ بجانب تميزه بنبرة صوت خاصة به تميزه عن الجميع؛ إذن فهو شخص لا تنقصه لا موهبة الغناء ولا حلاوة الصوت وتميزه؛ ولا أدري أيًا من كل تلك المقومات من المفترض أن توجد في «المطرب» ولا توجد في صوت عمرو دياب.
ثم يأتي دور «الذكاء» الذي يعده البعض تهمة عمرو دياب وطريقه للوصول للنجاح والنجومية؛ ولا أدري هل من المفترض أن يكون المطرب صاحب صوت جبار لكنه «غبي» لا يملك القدرة على إدارة موهبته حتى يقتنع البعض أن الذكاء لا علاقة له بالموهبة؛ فهل يكفي أن يكون الشخص «ذكياً» لكنه عديم الموهبة حتى يصبح نجماً؛ أم أن «موهبة المطرب» تغنيه عن الذكاء! وهناك عشرات الأمثلة لمطربين من أصحاب المواهب النادرة إلا أن «غباء أفعالهم» ألقى بهم بعيداً عن ساحة النجاح والنجومية؛ لذلك لا أفهم مبرراً واحداً لمن يتهم عمرو دياب «بالذكاء» في إدارة موهبته ووصوله بها إلى القمة؛ المعادلة أبسط ما يكون «موهبة + ذكاء» تصنع النجاح والتاريخ؛ وهو ما يتسم به مشروع عمرو دياب منذ ظهوره؛ هو شخص موهوب في الغناء ويملك من الذكاء ما يدير به تلك الموهبة.. السؤال هنا هل المطلوب من عمرو دياب غناء «الموشحات والطقاطيق» من أجل إثبات موهبته، وهي الأشكال الغنائية التي اندثرت قبل منتصف القرن الماضي؛ أم أنه يغني بمعطيات زمنه وما يحتاجه هذا الزمن من طريقة للنجاح؟.. وفي النهاية أتمنى فقط أن تنتهي نغمة «ذكاء عمرو دياب» وأن يحصل الرجل على حقه كاملاً في أنه من أكبر المطربين الذين أثروا في تاريخنا الموسيقى ولنا كل الحق بالفخر بما قدمه؛ ويكفينا أن أهم مطرب في العالم العربي منذ أكثر من ثلاثين عاماً هو مطرب مصري.

