تتجه الدولة إلى توطين الصناعة المصحوبة بالتكنولوجيا، لضمان استمرارية وتطوير الإنتاج. وقد تكون الظروف مواتية لبعض الصناعات، بينما يحتاج البعض الآخر إلى توافر مقومات معينة لضمان نجاح التجربة.
وتُعد صناعة الصلب إحدى أهم الصناعات التي تعول عليها الدولة لتحقيق طفرة ملموسة في العديد من القطاعات الصناعية. فتوطين صناعة السيارات، على سبيل المثال، يحتاج إلى كميات كبيرة من ألواح الصلب، وكذلك السلع الهندسية، وصناعة السفن، وعربات السكك الحديدية، وهي جميعها صناعات عملاقة.
ومن هنا تسعى الدولة إلى توسيع قاعدة مصانع الصلب المتكاملة لإنتاج الألواح داخل السوق المحلي، كبديل شرعي للاستيراد الذي يلتهم كميات كبيرة من العملات الأجنبية، في وقت نحن في أشد الحاجة إليها لتعديل المسار والاعتماد، قدر الإمكان، على المنتجات المحلية، وتشجيع القطاع الخاص على الدخول في مشروعات إنتاجية تعتمد على خامات محلية بنسبة تضمن تقليل فاتورة الاستيراد.
وتتصدر مصانع الحديد والصلب في مصر المصانع المتكاملة، يليها النصف متكاملة، ثم مصانع الدرفلة. وتتمثل رؤية الدولة في أن تتحول الغالبية العظمى من المصانع إلى مصانع متكاملة تنتج خام البليت، بدلاً من قيام مصانع الدرفلة باستيراده من الخارج وإعادة تشكيله دون إضافة قيمة حقيقية للصناعة.

ورغم أن تكلفة الاستثمارات في مصانع الصلب المتكاملة مرتفعة جدًا، فإنها صناعة واعدة وجاذبة، وتضمن الأمن الاستراتيجي للدول التي تمتلك مثل هذه المصانع؛ لأنها تحميها من الخضوع لضغوط تجارة السوق العالمي، سواء في وفرة الإنتاج أو التحكم في الأسعار.
◄ الفرصة
غدًا ستكون لدينا فرصة حقيقية لإحياء صناعة الحديد والصلب المصرية، من خلال منح تراخيص جديدة لمصانع تنتج خام البليت، بما يؤدي إلى تغيير الخريطة التفصيلية لصناعة الصلب في مصر، وتحول العديد من المصانع التي كانت تقتصر على إعادة تشكيل الحديد إلى مصانع متكاملة تنتج وتصنع وتعيد التشكيل بنسبة مكون محلي أكبر، بعيدًا عن الاستيراد.
اقرأ ايضا| كامل الوزير: حصلنا على 300 أتوبيس من النصر للسيارات خلال سنة

◄ رسوم الحماية
فرضت الدولة المصرية رسوم حماية على خام البليت المستورد بنسبة تعادل الفرق بين السعر والتكلفة الحقيقية للمنتج، خاصة بعد أن حققت العديد من الدول المنتجة للصلب فائضًا كبيرًا في إنتاج البليت، وقررت التخلص منه بعرضه للبيع في الأسواق العالمية بأسعار أقل من سعر التكلفة.
وهنا أدركت الدولة أن المستورد هو المستفيد الأول، بينما يتعرض الصانع الوطني لخسائر كبيرة، لعدم قدرته على مقاومة المصانع العالمية الكبرى، التي لا تنظر إلى الخسائر بعد تحقيق فائض كبير في الإنتاج، وتسعى للتخلص منه ببيعه في أسواق الدول النامية بأسعار أقل من التكلفة.

◄ المعوقات
إذا نظرنا إلى مصلحة الدولة المصرية وخططها المستقبلية، سنجد أن المعوقات تتلخص في حالة التباعد السائدة داخل سوق الحديد المصري. فالواقع يشير إلى أن عدد المصانع القادرة على سد احتياجات السوق غير كافٍ في هذه المرحلة، رغم وجود رغبة حقيقية في توطين الصناعة.
وعلى الرغم من أن القدرة الإنتاجية للمصانع القائمة تصل إلى نحو 17 مليون طن سنويًا، فإننا ننتج أقل من 10 ملايين طن، نتيجة تراجع الطلب في بعض القطاعات. كما يشير الواقع إلى أننا مقبلون على مرحلة جديدة من التصنيع سنحتاج فيها إلى أرقام إنتاج أكبر.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة تشكيل خريطة الإنتاج في السوق، لتكون المصانع المتكاملة هي الأكثر عددًا، والقادرة على توفير الخامات للمصانع الأقل قدرة على الإنتاج الكامل. فالواقع يؤكد أننا لا نستطيع تحويل جميع المصانع المصرية إلى مصانع متكاملة، لكن يمكننا توفير الخامات المحلية لبعض المصانع بأسعار عادلة، بدلًا من الاستيراد، وتوجيه العملة الأجنبية إلى قطاعات أخرى نحتاج إليها، بدلاً من إنفاقها على خامات يمكن تصنيعها محليًا.

وهذه هي الفلسفة الجديدة التي تنتهجها الحكومة، ولذلك منحت صناع الحديد تراخيص جديدة لزيادة إنتاج البليت ووقف نزيف استهلاك الدولار.
◄ الخلاصة
إذا صدقت النوايا، واتفق الجميع على أن مصلحة الوطن أهم وأكبر من المصالح الشخصية، فسنتمكن من تحقيق المعادلة الصعبة، من خلال توسيع القاعدة الصناعية، وتنظيم حركة السوق، وتقليل الاعتماد على المستورد، وتوفير احتياجات الدولة لتحقيق استراتيجية توطين الصناعة.

وهو هدف سيعود بالنفع على المنتج والمستهلك معًا، لأننا في النهاية سنحصل على سلع مصرية بمواصفات عالمية وأسعار عادلة، تخرج من عباءة المستورد، الذي يفرض علينا الانصياع للموردين المتحكمين في الأسعار والكميات. وإلا سنظل دولة مستوردة، لا نملك التحكم في أسواقنا، وقد لا نستطيع تدبير العملات الأجنبية التي تلبي احتياجاتنا، لعدم تغليب المصلحة العامة التي يستفيد منها الجميع.
وتحيا مصر.

