ليس كل برنامج يُقاس بنِسَب المشاهدة، ولا كل شاشة تُختصر بدورها الترفيهي. أحيانًا، تقع لحظة نادرة، يتقدّم فيها الفن خطوة واحدة إلى الأمام، فتُضطر الصور الجاهزة كلّها إلى التراجع.
هكذا كان «يلا نِدبك» على شاشة MTV، لحظة مدروسة، هادئة، وعميقة، أعادت للدبكة اللبنانية موقعها الطبيعي، لا كفولكلور مُعلّق على المناسبات، بل كفن حيّ، قادر على أن يحمل معنى وهوية.
في بلد اعتاد أن يُعرّف مناطقه من خارجها، وأن يختصر مدنه بعناوين سياسية وإخبارية قاسية، جاء هذا البرنامج ليقترح تعريفًا آخر. اختار الإيقاع بدل الصخب، والخطوة المدروسة بدل الخطاب، ومنح فرق الدبكة اللبنانية مساحة حقيقية للظهور.
مساحة ليست عابرة، بل مستمرّة، دخلت بيوت اللبنانيين أسبوعًا بعد أسبوع، وخرجت إلى العالم عبر شاشة تعرف تمامًا قيمة ما تعرضه.
أولاد آل الصلح، العائلة المعروفة تاريخيًا بإتقان التراث وتعليمه، لم يقدّموا الدبكة كعرض، بل كاستمرار طبيعي لحياة عاشت هذا الفن قبل أن تصعد به إلى المسرح.
الجميع ربح… لكن الحدث كان بعلبك
لهذا، لا يمكن القول إن هناك فرقة خسرت. الجميع ربح: ربحوا حضورًا، ربحوا إعلانًا حقيقيًا، وربحوا تثبيت هذا الفن في الوعي العام.
لكن وسط هذا الربح الجماعي، برز حدث استثنائي في معناه، لا في ضجيجه: فرقة شمس بعلبك.
بعلبك، المدينة التي اعتادت أن تُذكَر قبل أن تُرى، وأن تُناقَش قبل أن تُسمَع، دخلت هذا المشهد من باب مختلف، لا عبر السياسة، ولا عبر الأحداث، بل عبر تراثها.
فجأة، ظهرت بعلبك كما يعرفها أهلها: مدينة إيقاع، مدينة ذاكرة، مدينة تعرف الدبكة كما تعرف أرضها.
من الشراونة إلى المسرح
من حي الصلح، من قلب الشراونة، من حي شعبي سبقته الأخبار قبل أن تُعرَف وجوهه، خرجت فرقة شمس بعلبك.
شباب جامعيون، وشباب من المؤسسة العسكرية، يحملون في تكوينهم تناقضات هذا البلد كلّه، لكنهم حين وقفوا على المسرح، أسقطوا التناقض، وبقي الإيقاع. دبكة دقيقة، مشغولة، غير مصطنعة، تعرف تمامًا من أين جاءت، ولا تحاول أن تشبه إلا نفسها.
أولاد آل الصلح، العائلة المعروفة تاريخيًا بإتقان التراث وتعليمه، لم يقدّموا الدبكة كعرض، بل كاستمرار طبيعي لحياة عاشت هذا الفن قبل أن تصعد به إلى المسرح. ما قُدِّم لم يكن مستعارًا، ولا مُحضّرًا لإرضاء الكاميرا، بل صادقًا، نابعًا من مكانه، ومُتقنًا بقدر ما هو بسيط.
الإيقاع والناس
وما جعل شمس بعلبك تقترب أكثر من الناس، لم يكن الإيقاع وحده، بل أصحاب الإيقاع: تواضع واضح، بساطة غير مصطنعة، تهذيب هادئ، وخجل يشبه خجل كل شاب لبناني.
شباب لا يبحثون عن البطولة في الكلام، ولا عن الاستعراض في الحضور. لكن حين تضرب أقدامهم الأرض، يتبدّل المشهد: الخطوة تهدر، الإيقاع يفرض نفسه، والدبكة تقول ما لا يحتاج إلى شرح.
هذا التلاقي بين إنسان يشبه الناس وفن يحمل قوّة الأرض، جعل حضورهم محبوبًا، ومقنعًا، وقريبًا من القلب.
حين تعود الشاشة إلى المدينة
وهنا، تبرز دلالة الشاشة بما يتجاوز البرنامج. MTV، التي عرفت علاقتها مع بعلبك مراحل إقصاء وغياب فرضتها أسباب سياسية معروفة، عادت إلى المدينة من باب الفن.
المفارقة كانت لافتة: شاشة قيل يومًا إنها بعيدة، ارتفعت يافطاتها في أحياء بعلبك، وحملت صورتها وصورة فرقة شمس بعلبك، احتفاءً بإنجاز فني جمع المدينة على فرح نادر.
لافتات MTV وشمس بعلبك في الشوارع لم تكن إعلانًا لبرنامج فقط، بل إشارة واضحة إلى أن الفن قادر، حين يُمنَح مساحته، على فتح ما أُغلق طويلًا.
ما جعل شمس بعلبك تقترب أكثر من الناس، لم يكن الإيقاع وحده، بل أصحاب الإيقاع: تواضع واضح، بساطة غير مصطنعة، تهذيب هادئ، وخجل يشبه خجل كل شاب لبناني.
حين يتقدّم الإيقاع… يتبعه الوعي
«يلا نِدبك» لم يصنع نجومية عابرة، بل ثبّت حقيقة: حقيقة أن التراث، حين يُقدَّم باحترام، يصبح لغة جامعة. وأن المدن، حين تُعرَف من خلال فنّها، تتقدّم بثبات، من دون ضجيج. وأن بعلبك، حين تُعطى فرصة عادلة، لا تحتاج إلى دفاع.
في النهاية، الجميع ربح مع MTV: الدبكة ربحت شاشة تليق بها، الفرق ربحت حضورًا دائمًا، والناس ربحت صورة أصدق. أمّا شمس بعلبك، ففعلت ما هو أبعد من الفوز: قدّمت المدينة كما هي، وتركت الإيقاع يتقدّم… فتَبِعَه الوعي.

