في مسقط حيث يلتقي البحرُ بالجبال، ويختلطُ عبقُ التاريخِ برؤيةِ المستقبل، تتحوَّلُ الأقمشةُ إلى قصصٍ، والتطريزاتُ إلى لغاتٍ، والألوانُ إلى نبضِ الحياة. هناك، في قلبِ العاصمةِ العمانيَّة، تنبضُ الموضةُ بوصفها فعلاً ثقافياً واعياً، يحملُ ذاكرةَ المكان، ويصوغها بلغةٍ معاصرةٍ. ويأتي أسبوع الموضة في مسقط المنظّم من قبل ماجيستك إنترناشيونال Majestic International ضمن فعاليَّاتِ «ليالي مسقط 2026»، لتعزيزِ قطاع الموضة، ورفعِ مكانةِ السلطنة بوصفها مركزاً للإبداعِ والتصميم، مع دعمٍ رسمي من وزارةِ الثقافة والرياضة والشباب، وبلديَّةِ مسقط. ومع هذا الحدث، بدا من الواضحِ أن الأزياءَ ليست مجرَّد شكلٍ جمالي، بل أصبحت خطاباً بصرياً، يعكسُ الهويَّة، ويُحوِّلُ كلَّ قطعةٍ إلى مساحةِ حوارٍ بين التراثِ والحداثة، وبين الإنسانِ ومحيطه.
انطلاقة مبهرة: الفخامة والتميز في دار الأوبرا
افتُتِحَت فعاليَّاتُ أسبوعِ الموضةِ في مسقط لعامِ 2026 في أجواءٍ استثنائيَّةٍ بدارِ الأوبرا السلطانيَّة مسقط، معلنةً عودةَ الحدثِ الأبرزِ بمجالِ الموضة في السلطنة بعد غيابٍ دامَ أكثر من عقدٍ. وجاءت ليلةُ الافتتاحِ احتفاءً بالتراثِ العماني، والمواهبِ الإقليميَّة، والتصميمِ المعاصر من خلال عروضٍ منتقاةٍ، عكست الهويَّةَ الثقافيَّةَ والإبداعيَّةَ المتجدِّدةَ لعُمان.
وافتتحت المصمِّمةُ العمانيَّةُ أمل الرئيسي، مؤسِّسةُ أسبوعِ الموضة، الأمسيةَ بعرضٍ خاصٍّ، بالتعاون مع دارِ الساعاتِ الباريسيَّة تشارلز أودين Charles Oudin. وجمعَ العرضُ بين الحِرفيَّةِ العمانيَّة، والخطوطِ العصريَّةِ الراقية، لتُؤكِّد مكانتها بوصفها ممثِّلةً عالميَّةً للأزياءِ العمانيَّة، ومصدرَ إلهامٍ للمصمِّمين المحليين.
ما رأيك بالاطلاع على عام التحوّلات الكبرى: كيف أعاد 2025 رسم خريطة الإبداع في الموضة؟

اليوم الأول: التقاء التراث بالحداثة

تواصلت العروضُ مع مشاركاتٍ إقليميَّةٍ متميِّزةٍ، اشتملت على Moonlight Concept للمصمِّمةِ منى الكعبي Muna Al Kaabi التي أعادت تفسيرَ التراثِ القطري بأقمشةٍ فاخرةٍ، وتطريزٍ حديثٍ، وعرضِ أحمد تلفيت Ahmed Talfit التونسي المغربي، الذي دمجَ بين الابتكارِ والفن، مع مجوهراتٍ من زين باي درة الزياني Zayn by Dorra Zayani، أضفت بُعداً فنياً راقياً. وفي الوقت نفسه، شهدَ اليوم الأوَّلُ عروضاً لعناصرَ عمانيَّةٍ بارزةٍ، منها بيت الفنار Bait Al Fanar وبثينة Bthaina، اللتان قدَّمتا مجموعاتٍ، عكست التراثَ العماني بصياغةٍ عصريَّةٍ، واستلهامٍ من التطريزاتِ، والخاماتِ التقليديَّة، مع لمساتٍ حديثةٍ، تُناسب الذائقةَ العالميَّة. واختُتِمَ اليوم بعرضِ المصمِّم اللبناني إيليو أبو فيصل Elio Abou Fayssal الذي جمع بين الفخامةِ والحداثة، ليُؤكِّد مكانةَ أسبوعِ الموضة بوصفه منصَّةً للمصمِّمين الإقليميين ذوي الرؤيةِ العالميَّة.

اليومان الثاني والثالث: حوارات بين الثقافات

استمرَّ الحدثُ على مدارِ اليومين التاليين بعروضٍ دوليَّةٍ متميِّزةٍ، إذ قدَّمت دارُ سولانجل Solangel الروسيَّةُ مجموعةً من فساتين السهرةِ اللامعة، بينما عرضت هاوس أوف سافين House of Savin البريطانيَّة تصاميمَ ناعمةً، احتفت بالأنوثة، في حين قدَّمت ميزون سارة الشريبي Maison Sara Chraibi المغربيَّة مزيجاً من التراثِ والابتكارِ المعاصر.
كذلك، استمرَّ تسليطُ الضوءِ على الإبداعِ العماني حيث قدَّمت علاماتُ سعف كوليكشن Saaf Collection، أندماج Endemage، ونور البحراني Noor Al Bahrani مجموعاتٍ متقنةً، جسَّدت الهويَّةَ المحليَّةَ بروحٍ عصريَّةٍ. أمَّا المصمِّمةُ التركيَّةُ نيسان إرجون Nisan Ergün فركَّزت على الاستدامةِ والأنوثةِ في مجموعتها Zhenabia، لتُصبح الموضةُ في مسقط منصَّةً للحوارِ بين الثقافاتِ والتجاربِ العالميَّة.
يمكنك أيضًا الاطلاع على في وداع إمبراطور الموضة فالنتينو غارافاني: 10 حقائق مخفية أغنت مسيرته الفنية

نساء يعدن صياغة الموضة

تألَّقت المصمِّماتُ العمانيَّاتُ في أسبوع الموضة في مسقط 2026، فكنَّ قلباً نابضاً للهويَّةِ النسائيَّةِ والإبداعِ المحلي. حضورهن، لم يكن مجرَّد مشاركةٍ، بل شكَّلَ رحلةً فنيَّةً، مزجت بين الحِرفةِ العمانيَّةِ العريقة، واللمسةِ المعاصرة، إذ تحدَّثت تصاميمهن عن الماضي والحاضر معاً.
وافتتحت أمل الرئيسي Amal Al Raisi الحوارَ الإبداعي بتصاميمَ، مزجت التراثَ العماني بالبنيةِ الحديثة حيث أضفى التطريزُ الدقيقُ لمساتٍ من الأناقةِ الهادئة، مؤكِّدةً قدرةَ الأصالةِ على المنافسةِ عالمياً. في حين قدَّمت منى الكعبي عبر Moonlight Concept خطوطاً رقيقةً، وأقمشةً انسيابيَّةً، عكست روحَ المرأةِ العصريَّة، بينما أعادت فايزة البلوشي (بيت الفنار)، وبثينة الزدجالي (Bthaina)، تفسيرَ التراثِ بأسلوبٍ حديثٍ من خلال قطعٍ مزخرفةٍ ذات حضورٍ رصينٍ وراقٍ.
من جانبها، استخدمت خديجة اللمكي (بوتيك كواشي Kawashi) الحِرفةَ التقليديَّةَ لتوصيلِ هويَّةٍ ثقافيَّةٍ بأسلوبٍ معاصرٍ، فيما جمعت نور البحراني بين العمليَّةِ والأناقةِ في قطعها الناعمة. أمَّا نادية ولبنى الزكواني فقدَّمتا عبر Endemage رؤيةً، جمعت بين التطريزِ التراثي، والخطوطِ العصريَّة، وأثبتت نورة كريم من خلال Khalijia Boutique، أن الأزياءَ اليوميَّة، يمكن أن تكون أنيقةً ومتميِّزةً، في حين حوَّلت هناء الوهيبيَّة Hanaa Alwahaibi (محل عروس الهنا) الأقمشةَ والتطريزاتِ إلى حكاياتٍ ثقافيَّةٍ، تُحاكي ذاكرةَ المكان. وأخيراً، أثبتت بثينة الريامي Buthaina Alriyami من Buthaina Boutique، أن المزجَ بين الحِرفةِ اليدويَّة واللغةِ المعاصرة، يُنتِجُ تصاميمَ متَّزنةً وأنيقةً، وتحملُ بصمةً ثقافيَّةً واضحةً.
بهذا الحضورِ الفاعل، لم تكن المصمِّماتُ مجرَّد مُشارِكاتٍ، بل كنَّ قوَّةً دافعةً للهويَّةِ الثقافيَّةِ النسائيَّة، وقدَّمن رسالةً واضحةً بأن عُمان اليوم تصنعُ أزياءً، تعكسُ روحَ المكان، وتُواكب العصر، ما يترك أثراً دائماً على خريطةِ الموضةِ العربيَّةِ والعالميَّة.

مسقط: على خريطة الموضة العالمية

مع هذه النسخةِ، يُثبت أسبوعُ الموضة في مسقط أنه أكثر من مجرَّد عروضٍ للأزياء. لقد أصبح منصَّةً ثقافيَّةً واقتصاديَّةً، تجمعُ بين الحِرفيَّةِ، والرؤيةِ المستقبليَّة، والمعرفة. إنه إعلانٌ واضحٌ عن قدرةِ العاصمةِ العُمانيَّة على إنتاجِ خطابٍ إبداعي أصيلٍ، واحتضانِ المصمِّمين المحليين والعالميين، وإعادةِ تعريفِ مكانتها على خريطةِ الموضةِ العالميَّة.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط


