تفتح فضيحة ملفات إبستين الضخمة شهية كثيرين ممن يكرهون الغرب. “لا يحدثنا أحد عن حقوق الطفل وحقوق المرأة بعد الآن”، جملة تتكرر كثيراً وتتبناها نخب بصيغ مختلفة. ويذهب بعضهم مذهباً أبعد “الديمقراطية في جوهرها سبب للكوارث الأخلاقية التي شاهدناها في الملفات”.
محاولات حثيثة للاستفادة من الفضيحة الكبرى في تكفير الناس خصوصاً في الشرق الأوسط، أو الموجودين منهم في الغرب، بكل القيم التي تُنسب للغرب، وأهم منتجاته.. “الديمقراطية”. وهي محاولات لن تنتج سوى تخليد الاستبداد بأنواعه والواقع المأزوم الذي تعيشه دول كثيرة في هذا الشرق المبتلى.
منذ أرسطو، رصد الفلاسفة ما نسميه اليوم “مغالطة التعميم المتسرع” (Hasty Generalization)، وهي أن ينتقل الشخص من الجزء إلى الكل بسرعة، “كل الغرب هكذا” و”اغتصاب القاصرات أمر طبيعي في الغرب”.
صحيح أن ملفات إبستين تكشف شبكة علاقات واسعة يتورط فيها سياسيون كبار (هناك سياسيون من الشرق الأوسط وردت أسماؤهم أيضاً)، لكن الصحيح أيضاً أن من سمح بكشف هذه الشبكات ومحاسبة الفاعل الرئيسي فيها هي القيم نفسها التي يريد البعض إلغاءها من حياتنا الآن بدعوى “الكفر بكل ما يأتي من الغرب”.
“الإسقاط” (Psychological Projection) مغالطة أخرى يمارسها من يتبنون هذه الدعوة الآن. آلية دفاع لا شعورية في مدرسة التحليل النفسي التي تستخدم مفهوم “الظل”، أي الجوانب التي يرفض الإنسان الاعتراف بها في نفسه، فيسقطها على غيره. المفهوم انتقل إلى علم الاجتماع حين لاحظ مفكرون أن الجماعات أيضاً تمارس نوعاً من “الإسقاط” عبر إسباغ صفات كامنة فيها على جماعات غيرها. وهنا يصبح اغتصاب القاصرات “منتجاً غربياً” صرفاً في مجتمعات تبيحه بأسماء مختلفة، مثل “تزويج” فتاة عمرها 14 عاماً لرجل ستيني، أو تبرير “تزويج” طفلات صغار بروايات دينية أو غيرها، أو تبرير تشويه الأعضاء التناسلية للإناث بالأعراف والتقاليد.
هنا يمارس بعضهم ما يسمى “قلب الاتهام” بمقولة “لديكم أنتم”. والحقيقة أنهم يمارسون بذلك المغالطات نفسها التي مارسها بعض الغربيين تجاه حضارات أخرى ومنها الحضارة الإسلامية، بالتركيز على “السيئ” منها وتعميمه. وما يمارسه اليمين المتطرف حالياً بالتركيز على الأفكار الدينية المتطرفة وتعميمها.
وفي كل الحالات يمارس الفاعلون تقنيات في نظريات الدعاية لا تنتج في الحقيقة سوى مزيد من الكراهية وانغلاق كل طرف على نفسه. والحقيقة أن لكل حضارة “مزبلتها”، ولكل مجتمع ما يخفيه من أمراض.
من الكفر بالأشخاص إلى الكفر بالأفكار
نعم المجتمعات الغربية ليست ملائكية، والمساواة وحقوق الإنسان والأطفال والنساء ليست كاملة فيها، وهي في الأصل ليست منتجاً غربياً صرفاً، بل تراكم إنساني ساهمت فيه كل الحضارات منذ أن كان الإنسان يستعبد أخيه، إلى أن بات كل فعل يقترب من هذه الصيغة مستهجناً ومداناً. وتكفير الناس بهذه القيم بدعوى وجود أشخاص وازنين يمارسون عكسها تماماً، هو مغالطة أخرى تنتقل من عيوب الأشخاص وثغرات النظام إلى الحكم على أفكار وقيم كاملة.
يناضل كثيرون في المجتمعات الغربية من أجل الحقوق. المظاهرات التي ملأت شوارع المدن الأوروبية والأمريكية خلال الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة هي جزء من هذا النضال في وجه سياسات اختارت الوقوف ضد قيم مجتمعاتها.
إنها عملية غير مكتملة ولن تكون مكتملة يوماً. أما تكفير الناس بكل هذه القيم، فهو ضرب من الانغلاق الذي يرفض المنتجات الفكرية لهذه المجتمعات لأن فيها أشخاص سيئون، فإذا كانت الحال هذه فلماذا لا نرفض أيضاً كل ما تنتجه هذه المجتمعات من تكنولوجيا وصناعات أيضاً. والغريب أن يصدر هذا أحياناً من مهاجرين يعيشون وسط هذه المجتمعات ويدافعون عن حقوقهم فيها ضمن منظومة القيم التي أنتجتها.
في السويد مثلاً، هناك 20 اسماً سويدياً في ملفات إبستين، فهل من المنطقي أن نكفر بكل قيم السويد؟!
إلى كل المنشغلين كثيراً بعيوب المجتمعات الغربية وأمراضها وقيمها “المنحطة” وديمقراطيتها “الكاذبة”، أليس الأجدى أن تنشغلوا بأمراض مجتمعات باتت غائبة عن خارطة الحاضر ومهددة بالغياب عن الجغرافيا أيضاً؟
مهند أبو زيتون

