أكد باحثون وأكاديميون على الحاجة إلى سياسات شاملة للتعامل مع التحولات الديمغرافية والاجتماعية العميقة التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، وانعكست على مختلف أبعاد الحياة، من هيكلة الأسرة إلى سوق العمل والبرامج الاجتماعية.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن المغرب يواجه تزايداً ملحوظاً في نسبة كبار السن مقابل تراجع معدل الخصوبة، إضافة إلى تحولات في نمط الاستقرار السكاني من القرى إلى المدن.
هذا المشهد الجديد يعكس، بحسب ندوة نظمتها المبادرة المدنية “الوطن أولا”، مساء الجمعة 13 فبراير 2026 بالرباط، (يعكس) انتقال المجتمع المغربي نحو الفردانية، ويضع أمام الدولة تحديات مزدوجة؛ من جهة حماية كبار السن ودعم الأسر، ومن جهة أخرى استثمار الطاقات الشابة لضمان استمرار النمو الاقتصادي والاجتماعي.
هذه التحولات تجعل المغرب أمام مرحلة حاسمة لإعادة تقييم أولويات السياسات العمومية ووضع استراتيجيات شاملة لضمان التوازن بين الأبعاد الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية.
في هذا الصدد، أكد عزيز الرباح، رئيس المبادرة المدنية “الوطن أولاً”، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن المغرب يواجه تحولات ديمغرافية خطيرة تستوجب مراجعة عاجلة للسياسات العمومية ومقاربة شاملة على المستوى الاجتماعي والحضاري.
وقال الرباح، على هامش ندوة حول التطور الديمغرافي بالمغرب إن “مؤشرات الإحصاء العام الأخيرة مقلقة، لا سيما فيما يتعلق بتزايد الشيخوخة وتراجع معدل النسل، إذ أصبح معدل الإنجاب في الأسرة المغربية يبلغ حالياً حوالي ابن ونصف لكل أسرة، مقارنة بما كان عليه سابقاً، فيما يزداد عدد كبار السن بشكل ملحوظ”.
وأشار الوزير السابق إلى أن هذه المؤشرات تتزامن مع ارتفاع نسب الطلاق وتراجع الإقبال على الزواج، ما يشكل تهديداً اجتماعياً واقتصادياً، كما وصفه بالتهديد الحضاري، لكونه يمس استمرارية الأمة المغربية وقيمها الأساسية. وأضاف: “الأمر ليس مجرد مشكلة اجتماعية أو اقتصادية، بل يتعلق بوجود الأمة واستمراريتها”.
ورأى الرباح أن المغرب، رغم تمسكه بالقيم المجتمعية التقليدية، يواجه تأثيرات الحداثة المستوردة التي عززت فكرة الاستقلالية الفردية للرجال والنساء على حساب التضامن الأسري وتماسك الأسرة كمؤسسة مركزية. وأوضح أن هذه التحولات تفرض مراجعة قوية وشاملة للمنظومة القيمية والاجتماعية بما يضمن استدامة الأسرة والنسل وحماية المجتمع المغربي.
من جانبه، أكد محمد أيت عزيزي، مدير حماية الأسرة والطفولة والأشخاص المسنين بوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، أن المغرب يشهد تحولات ديمغرافية عميقة تؤثر على البنية الأسرية والاجتماعية، مع انعكاسات مباشرة على منظومة الرعاية، وسياسات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
وأشار أيت عزيزي إلى ارتفاع عدد الأسر في المغرب مقابل انخفاض حجم الأسرة الواحدة، ما يعكس تغيراً تدريجياً في البنية الأسرية التقليدية، بالإضافة إلى تزايد نسبة كبار السن التي من المتوقع أن تصل إلى خمس السكان بحلول 2050، وتراجع مستمر في مؤشر الخصوبة. هذه التحولات تعيد طرح السؤال حول قدرة منظومة الرعاية الأسرية على الاستمرار في ظل مجتمع أكثر اعتماداً على الاستقلالية الفردية.
في مواجهة هذه التحولات، شدد المتحدث على تفاعل وزارة التضامن عبر مجموعة من البرامج والتدخلات، من أبرزها اعتماد الأسرة كوحدة أساسية للاستهلاك والحماية، وإعداد مشروع سياسة عمومية شاملة للأسرة في أفق 2030. وتهدف هذه السياسة إلى تقوية الروابط الأسرية والتضامن بين الأجيال، وتعزيز صمود الأسر وتماسكها، والتربية على القيم المجتمعية، والنهوض باقتصاد الرعاية.
وأضاف المدير أن “الوزارة تعمل على تعزيز حماية الأسرة وحقوق الأفراد، وتنمية الاستثمار في اقتصاد الرعاية، وهو ما يخلق فرص تشغيل من خلال رعاية المسنين ومواكبة الأشخاص في وضعية إعاقة”.
وأشار إلى أن هذه التدخلات تحاول معالجة العوائق التي تحول دون مشاركة النساء في سوق العمل، سواء على مستوى مراكز القرار أو فرص التشغيل، خاصة أن الأعمال الأسرية غالباً ما تكون غير مرئية وغير مؤدى عنها.
كما أشار أيت عزيزي إلى مجموعة من المبادرات والخدمات المجتمعية، منها “خطة وطنية للشيخوخة النشيطة لتقليل تكلفة الشيخوخة على الصحة، وتعزيز الطفولة المبكرة وولوج الأشخاص في وضعية إعاقة للخدمات الاجتماعية، وسياسات دعم المقبلين على الزواج للحد من الطلاق والعنف الأسري”، إضافة إلى “تطوير خدمة الوساطة الأسرية غير القضائية، ودعم الجمعيات التي تقدم هذه الخدمات، مع تكوين فاعلين متخصصين في مجال الرعاية الاجتماعية”.
من جهته، قدّم الباحث في فلسفة الأخلاق طارق بلكريم قراءة تأويلية لنتائج الإحصاءات السكانية الأخيرة، مقترحًا مقاربة تتجاوز البعد التقني للأرقام نحو تفكيك دلالاتها الثقافية والقيمية.
واستهل بلكريم مداخلته بالتأكيد على أن الإحصاء ليس مجرد عملية إدارية دورية، بل “لحظة مرآوية” تنظر فيها الأمة إلى ذاتها، وتستعيد ماضيها، وتفكر في تحولات حاضرها ومستقبلها. ومن هذا المنطلق، دعا إلى قراءة المعطيات الديمغرافية بوصفها مؤشرات على تحولات عميقة في أنماط العيش والتمثل الذاتي داخل المجتمع المغربي.د
وأبرز المصدر أن من أهم مؤشرات التحول تراجع معدل الخصوبة إلى ما دون عتبة تجديد الأجيال (في حدود 1.3 طفل للمرأة)، وهو ما يعكس – في قراءته – انتقالًا من “زمن التوسع” إلى “زمن الانكماش”. واعتبر أن قرار الإنجاب لم يعد يُنظر إليه كواجب اجتماعي أو حتميّة بيولوجية، بل أصبح موضوع عقلنة فردية تحكمها اعتبارات مادية ووجودية.
كما رصد بلكريم كذلك انتقال الأسرة المغربية من نموذج العائلة الممتدة إلى الأسرة النووية، بل وارتفاع نسبة الأسر المكونة من شخص واحد. كما أشار إلى تراجع متوسط حجم الأسرة، معتبراً أن الذات أصبحت مركز العناية بدل الجماعة.
وخلص الباحث إلى أن المغرب “كسب رهان التحديث” على مستوى البنيات والمؤشرات، لكنه لم يحسم بعد في رهانات الحداثة القيمية، ما يجعل المجتمع يعيش توترًا بين منظومة تقليدية قائمة على التضامن القُربي، ومنظومة فردانية جديدة تقوم على الاستقلال والاختيار الشخصي.
أما حميد موفراجي، الأستاذ في الجغرافيا البشرية، فتطرق إلى إشكالية الإصلاحات العمومية، منتقدًا ما وصفه أحيانًا بـ”الاستعجالية والارتجالية” التي قد تؤدي إلى معالجة خطأ بخطأ أكبر منه. واعتبر أن منطق “الإصلاح من أجل الإصلاح” دون رؤية استراتيجية شمولية قد يُفقد السياسات العمومية نجاعتها، مؤكّدًا أن التحولات الديمغرافية والاجتماعية الراهنة تستوجب مقاربة أكثر تكاملًا وعمقًا.
وفي المقابل، شدد على ضرورة عدم النظر إلى الوضعية بسوداوية مفرطة، مبرزًا أن الدولة تبذل جهودًا ملموسة في اتجاه تقوية الحماية الاجتماعية وتعزيز أدوارها التنظيمية. وأشار إلى وجود برامج حكومية للدعم الاجتماعي، إضافة إلى إصلاحات هيكلية كإصلاح نظام التقاعد، الذي يتطلب – بحسب تعبيره – جرأة سياسية في اتخاذ القرار، وتوسيع التغطية الصحية، وتعزيز سياسات محاربة الهشاشة.
وعلى المستوى التشريعي، ذكّر بأن دستور 2011 يتضمن مقتضيات تعترف بحقوق الفئات الهشة، ومن ضمنها كبار السن، كما أشار إلى صدور القانون الإطار المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة سنة 2017، إضافة إلى إحداث مؤسسات وهياكل داخل وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة تُعنى بقضايا الطفولة وكبار السن والأشخاص في وضعية هشاشة.
وتوقف الباحث في الجغرافيا عبد العزيز بويحياوي، عندالتحولات المجالية والديمغرافية للمدن والمناطق الريفية بالمغرب، وتحديات التوزيع السكاني والاستثمار العمومي، مشيرا إلى أن المغرب يعرف تركيزًا كبيرًا للسكان والأنشطة الاقتصادية في المدن الكبرى، بينما تعاني بعض المناطق الريفية والوسط القروي من كثافة سكانية ضعيفة جدًا، وهو ما يخلق فجوة تنموية واضحة بين مختلف الجهات.
وأوضح الباحث أن التركيز الحضري في المدن الكبرى أدى إلى ازدحام الخدمات الأساسية، بينما تبقى المناطق الريفية محرومة من فرص الاستثمار، والبنيات التحتية، والخدمات الاجتماعية. وأكد أن هذا الاختلال يؤثر على قدرة هذه المناطق على استيعاب السكان، ويحد من إمكانيات تنمية الموارد البشرية المحلية.
كما أشار إلى أن الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى تؤدي إلى تفريغ بعض المناطق الريفية، ما يزيد من تراجع الخصوصيات الديمغرافية المحلية، ويستوجب تدخل السياسات العمومية لإعادة توزيع الموارد والدعم الاستثماري.
وخلص بويحياوي إلى أن المغرب يواجه تحديات مزدوجة: تركيز متزايد للسكان والأنشطة في المدن الكبرى، مقابل ضعف التنمية في المناطق الريفية، وهو ما يستدعي سياسات متكاملة تعيد توزيع السكان والفرص الاقتصادية والاجتماعية بشكل أكثر عدالة وكفاءة.
من جانبه، شدد أحمد كشيكش، الباحث في الاقتصاد التطبيقي، خلال الندوة ذاتها على أن المغرب يمر اليوم بمرحلة الانتقال الديمغرافي، انخفاض تدريجي في معدلات الولادة وزيادة نسبة السكان البالغين وكبار السن، ما يؤدي إلى تغيرات في الهيكل العمري للسكان. وأضاف أن هذه التحولات تتيح نافذة ديمغرافية، أو فرصة اقتصادية، يمكن أن تدعم النمو إذا ما تزامنت مع سياسات عامة فعالة.
وأشار كشيكش إلى أن السكان في سن العمل يمثلون الركيزة الأساسية للنشاط الاقتصادي، موضحاً أن استغلال هذه الفئة بشكل أمثل يمكن أن يحقق العائد الديمغرافي، أي استفادة الاقتصاد الوطني من ارتفاع نسبة القوى العاملة الشابة. أما إذا فشل الاقتصاد في استيعاب هذه الفئة، فقد تتحول هذه الفرصة إلى مصدر اختلال وضغوط اجتماعية.
كما أبرز الباحث تحديات البنيوية التي تواجه المغرب، منها: ارتفاع متوسط سنوات التمدرس وتأخر دخول الشباب لسوق العمل، ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وارتفاع نسبة الشباب خارج التعليم أو التكوين أو العمل. وقال إن هذه التحديات تهدد استدامة النمو الاقتصادي وتجعل المغرب بحاجة إلى سياسات متكاملة لمعالجة الاختلالات.
وأكد كشيكش أن المغرب يحتاج إلى تحول استراتيجي في النمو الاقتصادي، بعيداً عن نموذج يعتمد على كثافة اليد العاملة وحدها، باتجاه نموذج يرتكز على جودة العمل ورفع إنتاجية القوى البشرية. ويشمل ذلك تحسين التعليم، رفع مهارات اليد العاملة، تبني التكنولوجيا الحديثة، وتطوير بيئة الأعمال لتسهيل استثمار الموارد البشرية.
وأضاف أن الاستثمار في رأس المال البشري يجب أن يقترن بتحسين إنتاجية عوامل الإنتاج لضمان استفادة الاقتصاد الوطني من التغيرات الديمغرافية، محذراً من أن أي إهمال لهذه الإصلاحات قد يؤدي إلى ركود اقتصادي مستقبلي.
وفيما يتعلق بالتحديات المالية والاجتماعية، شدد الباحث على أهمية استدامة أنظمة التقاعد، وتطوير الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية طويلة الأمد. وأوضح أن تعزيز الوقاية الصحية ورفع متوسط العمر الصحي للسكان من شأنه أن يخفف الضغط على ميزانية الدولة ويزيد من فعالية استثمار رأس المال البشري.
وفي حديثه مع صحيفة “صوت المغرب” أكد الرباح أن المجتمع المدني يسعى من خلال مثل هذه المبادرات إلى المساهمة في الحوار الوطني حول هذه القضايا، داعياً إلى اعتماد مقاربة جريئة وشاملة تشمل الأسرة والسياسات العمومية المرتبطة بالنسل والشيخوخة، وفتح النقاش حول القيم الاجتماعية لإيجاد حلول واقعية ومستدامة.
وخلص إلى القول: “هدفنا هو دعم متخذي القرار والمساهمة في صياغة سياسات عمومية قادرة على مواجهة التحديات الديمغرافية والاجتماعية والحضارية التي يفرضها الواقع المغربي اليوم”.

