محيي المسعودي
ذات بطاقة فنية كبيرة ومتميزة تضاهي رواد الفن التشكيلي الأوائل في العراق، وقد شهد على كفاءتها اساتذة كبار في الفن كان منهم الفنان إسماعيل فتاح الترك. مع هذا ظلت هذه الذات الفنية غائبة، ومغيّبة، طوال عقود من الزمن لأسباب مختلفة.
عرفته أول مرة عام 2008 ضمن فعاليات ” سمبوزيوم بابل ” التي جاءت ضمن نشاطات اعلان ” بابل عاصمة العراق الثقافية ” وفي هذا العام الذي فتحت فيه بابل ذراعيها لاحتضان الفنانين والمثقفين وصارت نافذة للأبداع الفني والثقافي. شاهدنا تلك الطاقة الفنية وهي قادمة من كرخ بغداد، لتكشف لنا عن فنان حقيقي موهوب، اسمه هادي عباس.
هذا الفنان الهادئ في غلافه الشخصي والاجتماعي كأنه سماء صافية لا تلجها رياح ولا سحب، ولكن، عند ولوجنا الى تكوينه النفسي والفني والثقافي اكتشفنا انه مُمْتَلِئٌ حد الاحتقان بالأفكار والمشاريع الفنية والعواطف الجياشة. وجدناه ذاتا عاصفة كالإعصار بالطاقات الفنية والفكرية التي كبتتها فيه ظروف قاسية سياسية واجتماعية وشخصيات سادية كانت جزءا من مرحلة تتلمذه.. مع كل هذا الكبت والتغييب والضغوط، الّا انها لم تنل من آماله وطاقاته واحلامه. ولم تحد من رغبته وموهبته الفنيتين اللتين صاحبتاه مذ كان طفلا صغيرا يلعب بالطين قرب أبيه الذي ظل يحمل جينات اجداده السومريين في حبهم للطين، والتدوين بهذا الطين نمط حياتهم وتاريخهم وابداعاتهم ودياناتهم.
لا أعرف متى كان معرضه الشخصي الأول ولكن معرضه الأخير أقيم عام 2022 في قاعة أكد وقد تميز بالتنوع الفني بين الرسم والنحت والخزف وكل عمل كان يشير الى مرحلة من مراحل حياة هذا الفنان – الذي قارب الثمانين من عمره – ولما يزل يجدد ذاته الفنية والشخصية ويضيف رؤى جديدة الى رؤاه. مع انه لا يمتلك مشغلا مناسبا لعمله وقد اكتفى مؤخرا ببيت صغير تركه له اخوه الراحل فجعل منه محترفا يمارس فيه عمله الفني وعلى الرغم، من اجادة الفنان لفنون الرسم وابداعه فيها – تخطيطا وتلوينا وتكوينا – الا انه يُعد خزافا محترفا، غير أن ابداعه الاكثر قوة وعمله الاكثر حضورا وتميزا ودقة وشهرة هو عمله في النحت, اذ عمل على كل المواد الخام المختلفة التي تصلح للنحت كالأحجار والاخشاب والطين والمرمر والشمع والجبس واللدائن والمعادن ولكنه ركز على النحت على الخشب, اذ يتميز تعامله مع الخشب لا كمادة للنحت وحسب بل يجعل من الخشب جزءا من مضمون وتكوين العمل الفني بشكل عام . وعليه نراه لا يشتغل على الخشب كما يفعل الكثير من النحاتين الذين يتعاملون مع هذه المادة كـ ” موبيليا” بل يترك للخشب خصائصه التكوينية بعد أن يحفر عليه، ولا يذهب الى تلوينة او تنعيمه بشكل يخفي هوية هذه المادة وكأنه يستشعر روح هذه المادة في شكلها. كما تمسك الفنان بالمنهج الأكاديمي من خلال نحت واقعي متقن فيه ضبط لنسب المواد وحركات الاشكال كما الواقع.
عُرف الفنان هادي عباس بأسلوبه الخاص وابداعه المتميز بالرسم والخزف والنحت، كان هذا على الرغم من قلة فرص الظهور في وسائل الإعلام أو مراكز الفن الإعلامية ..أما عن سبب عدم صعوده الى “سماء الشهرة” كان يقول : أن هذه القضية تنطوي على الكثير من الظروف والحالات الخاصة والعامة , وقد يكون أبرزها الثمن المدفوع مقابل الشهرة . الثمن الذي لم أرغب بدفعه مرة أو لا استطيع دفعه مرة أخرى .. الجميع يعلم أن شهرة الفنان العراقي في الداخل ايام النظام السابق كان ثمنها تمجيد السلطة الدكتاتورية الحاكمة أولا، ومن ثم الانسجام والتماهي مع ثقافة تلك السلطة، التي تريد لثقافتها وفكرها أن يكونا القوت الوحيد لأبناء الشعب العراقي. هذا ثمن لم أرغب يوما بدفعه ابدا أما الثمن الذي لم أستطع دفعه هو السفر خارج العراق، لأني لا أستطيع مغادرة هذا البلد الذي يمثل لي كل عناصر الحياة التي لا أستطيع العيش دونها.
وعن حاله بعد التغيير الذي حصل في العراق يقول: لقد فتح التغير افاقا واسعة لكل الأبداع العراقي ومنه الأبداع الفني التشكيلي مع الاعتراف بالتراجع الكبير ” المؤقت ” الذي حصل للفن خلال السنوات الأولى من التغيير بسبب التطرف الديني وجهل السياسي بقيمة الفن اضافة للإرهاب الذي كان يتصيّد المبدعين عامة والفنانين خاصة .. ولكن في سنة 2008 بدأتُ اشعر ان الفن شرع يستعيد عافيته ولو ببطء ويبقى الأهم, أن النظر الى المستقبل يبشر بازدهار الفن ورواج سوقه “كل هذا طبعا” بسبب الحريات المتاحة للفنان والتي ترفدها حرية الصحافة والأعلام والاهتمام الجماهيري والحكومي بالفنون الجميلة ”
وعن أحلامه يقول هادي عباس: لدي أحلام بقدر مناماتي وصحواتي، ولكن الحلم الذي يراودني دائما والى اخر يوم في حياتي هو إقامة نصب يمثل حكاية مورثة في أدبنا العربي هي ـ الف ليلة وليلة لأنها ملخص كل التراث الإنساني بروح وفكر عربيين ثانيا أن الحكاية تمثل صراعا أبديا بين الخير والشر صراعا بين رغبات ونزوات الجسد وطهارة الروح وسموها .. في النهاية أنها تمثل انتصار الحكمة والعقل على النزوة والرغبة الجسدية العبثية، ناهيك خصائص الحكاية الابداعية كفن ادبي حكائي، حفر في ذاكرة الناس جميعا معاني وصور وتساؤلات تشدهم دائما الى صور ومضامين هذه الحكاية.

