من بيت جاءت فيه الموسيقى أسلوب حياة أكثر من كونها مجرد شغف، أطل Kamal Maroon (اسمه الحقيقي كمال الحاج) متناغماً في العمق مع فنه. استقر المغني والملحن والمنتج، من مواليد بيروت، في لوس أنجليس منذ عام 2021، حاملاً معه إرثاً موسيقياً غنياً لا يزال يقولب صوته ورؤياه الفنية. تدمج ألحان كمال بين حساسية انسيابية مصقولة لموسيقى البوب وبين ترجيعات موسيقى “آر أند بي” من مطالع الألفية الجديدة، مع توزيعات وترية مترفة وأصوات متراكبة. تتميز موسيقى كمال، في آن، بالنوستالجيا ومحاكاة روح العصر. يعد إصداره الجديد “أسود × أبيض” (Black x White)، أكثر أعماله تعددا حتى الآن، إذ يكشف عن فنان لا يخشى الصدق في بوح انفعالاته.
عندما يصبح الفن شغفاً
لا يتذكر الحاج اللحظة التي بدأ فيها الغناء والاهتمام بالموسيقى كونه نشأ في كنف عائلة من الموسيقيين المحترفين. فوالدته هي الفنانة فادية طنب الحاج، وخالته هي الفنانة رونزا، وهو الأصغر بعد شقيقاته الثلاث اللاتي كن يعزفن ويغنين قبل ولادته. يعود بالذاكرة إلى أجمل البدايات في عالم الفن عندما كان يستمع إلى والدته وهي تتمرن على حفلاتها، وعندما كان يصغي إلى تدريبات شقيقاته على العزف، كان طبيعياً أن تتبلور مهاراته في هذا العالم وتنمو بتأثير من الأجواء التي أحاطت به في العائلة الفنية. لذلك بدأ الغناء في سن الثالثة أو الرابعة تقريباً، قبل أن يلتحق بصفوف البيانو ونظريات الموسيقى في السابعة، ويبدأ كتابة الموسيقى الخاصة به في سن الـ10. منذ تلك المرحلة، أصبح الفن محور حياته وشغفه الأزلي، حتى يتمكن من تقديم رؤيته الفنية إلى العالم عبر الأغاني.
أما عن إصداره المنفرد الجديد “أسود × أبيض” (Black x White) المطبوع بأسلوب “الـبوب آر أند بي” من مطالع الألفية الثالثة، فيتحدث بالقول إن مطلع الألفية الثالثة من المراحل الملهمة له، لأن وعيه للموسيقى وُلد خلال تلك الحقبة. كما أن فنانين مثل بيونسيه ودجاستن تيمبرلايك لا يزالون مصادر إلهام له حتى اليوم، بما أنهم رسموا ملامح المشهد الموسيقي آنذاك. لذلك، يؤكد تأثره بهم وعودتهم إليهم كمراجع في عالم الموسيقى لكون براعتهم الموسيقية ألهمته دوماً. لكن خلال الوقت نفسه، لا ينكر أنه نشأ أيضاً على موسيقى عمالقة الفن في منطقتنا، بفضل والدته، ولا سيما فيروز والأخوين رحباني. “أعتقد أن المقاربة الرحبانية في كتابة الأغاني تشبه مقاربة موسيقى البوب. فكلاهما يركز على الميلوديات الجذابة التي يمكن لأي شخص حفظها والتفاعل معها، وهذا ما لا ينطبق دائماً على الأنماط الموسيقية الأكاديمية، كالموسيقى الكلاسيكية مثلاً. في عملي “أسود × أبيض” (Black x White) أردت استلهام الأنماط التي نشأت عليها، مع تحديثها، ثم إضافة عناصر من تنشئتي على الموسيقى الكلاسيكية عبر إدماج وصلات أوركسترالية. أحب قلب أي نوع موسيقي رأساً على عقب، وجعله خاصاً بي”.
يعد الحاج أن عمله الجديد هذا هو مجرد بداية ولديه أعمال كثيرة يرغب في مشاركتها مع جمهوره، إلى جانب سعيه إلى تعريف الجمهور العالمي بنكهات من موسيقى الشرق الأوسط. فهناك أغان عدة ينوي طرحها تباعاً خلال العام وهي تعبر بعمق عن موقعه الفني حالياً.
مزيج بين الشرقي والغربي
على رغم أن فيروز هي مصدر الإلهام الأساس بالنسبة إليه لكونه نشأ على أغانيها، فإن الحاج اتجه إلى الموسيقى الغربية. فمن طفولته، تأثر بما كانت تستمع إليه شقيقاته وهو في معظمه من الموسيقى الغربية، يُضاف إلى ذلك أنه لم يتلق دروساً في الغناء الشرقي، مما ولد لديه شعوراً بأنه يفتقد التقنية اللازمة لأداء هذا النوع من الغناء. إلا أنه حرص على دمج إضافات شرق أوسطية في توزيعاته الموسيقية، وتحديداً في الإيقاعات والميلوديات. وسرعان ما أصبح مزج الأساليب والتأثيرات متعة له ومصدر إلهام، فاعتمد على هذا الأسلوب لتوسيع نطاق نوعي الموسيقي الخاص به وخلق المسار الذي يميزه. لكن، في مقابل ميله إلى الموسيقى الغربية وتحديداً موسيقى البوب، بقيت الموسيقى الشرقية محفورة في جيناته، كما يظهر واضحاً في أعماله.
في حديثه، يعبر الحاج عن إعجابه بفنانين عرب آخرين، مثل سانت ليفانت وإليانا، لاعتبارهم استطاعوا الابتكار في ما يقدمونه عبر المزج بين أساليب غربية وشرقية. وفي ذلك، يجد أنه ثمة موجة جديدة، آخذة في الصعود، من المؤلفين المتعددي الأنواع الموسيقية، وهو بنفسه يشكل جزءاً منها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لا يقتصر عمل الحاج على تقديم الأغاني والموسيقى الخاصة به، بل دخل عالم الفن من الباب العريض، وإذا به يكتب وينتج لفنانين آخرين ويعدها من الأمور الجوهرية التي حقق بها ذاته كفنان لأن تأليف الموسيقى الخاصة به أمر رائع يروي من خلاله قصته الخاصة، لكن ما يميز العمل مع الآخرين أنه يزودهم برؤيته الخاصة وخبرته الفنية لخدمة قصصهم، وهو ما يعد نوعاً مختلفاً من الإبداع. وفي ذلك، يصف نفسه بأنه يتحول إلى معالج نفسي أو صديق مقرب عندما يكون في جلسات كتابة مع الفنانين الذين يشاطرونه أسرارهم ومشاعرهم ليبدعوا معاً ويقدموا عملاً أصيلاً. “لقد تعلمت أن دماغين أو ثلاثة أفضل من واحد. التعاون مفتاح كل أمر، وبعض أفضل أعمالي كان نتيجة شراكة في الكتابة والإنتاج. كما أنه أمر محرر جداً لك عندما تؤلف موسيقى لن تصدرها بنفسك، لكنها ستتناسب وهوية فنان آخر، هنا يتلاشى كثير من نقدك تجاه ذاتك لأنك لم تعد الشخصية المحورية، وقد أسعفني هذا الأمر بالفعل، مع الوقت، عند كتابة الموسيقى الخاصة بي”.
لا يجد الحاج أي تضارب في عمله ككاتب للأغاني ومنتج ومشروعه كفنان يؤدي أغانيه الخاصة، لأن العملين متداخلان ولأنه يعير التعاون أهمية كبرى. كما أنه يستثمر في العلاقات التي يكونها أثناء العمل مع فنانين آخرين لمصلحة مشروعه الخاص، والعكس صحيح. وفي مقابل حرصه على تكريس وقت كافٍ لموسيقاه الخاصة لأنه مسؤول عنها بالكامل من النواحي كافة في التأليف والإخراج والترويج، يجد في العمل مع فنانين آخرين أثراً إيجاباً على مسيرته الموسيقية. لذلك، لا يوفر جهداً في القيام بمهام متعددة وإدارة وقته بأفضل الطرق ليكسب كلا المسارين.
ويتني هيوستن العشق الفني الأول
عشق الحاج ويتني هيوستن وحفظ أغانيها من الطفولة، متأثراً بحب العائلة لها. لذلك، غنى أولاً أغانيها من أولى المراحل. ويتذكر حادثة طريفة من الطفولة عندما كان في السادسة من عمره وقد توسل والدته كي تسمح له بأداء أغنية في حفل موسيقي أقامته بمناسبة عيد الميلاد، فوافقت بفرح. قرر تأدية أغنية I Will Always Love You في وقوفه الأول على خشبة المسرح بمفرده. يتذكر أنه وقف على المسرح أمام قاعة تغص بالحضور، وأدى أول سطرين من الأغنية قبل أن يتجمد تماماً ويلوذ بالفرار في لمح البصر. ويعود ويؤكد ضمن حديثه أن ويتني هيوستن رافقته، كأحد الأصوات المفضلة في مختلف المراحل وأسهمت بصورة حاسمة في صياغة شخصيته الموسيقية.

