يواجه قطاع الأدوية والعلاج في السودان تحديات عدة وعقبات تحول دون عودته الكاملة لدائرة الإنتاج واستئناف نشاط المصانع والشركات بعد توقف طويل من أجل سد الفجوة الدوائية. وعلى رغم عودة الحكومية المركزية إلى العاصمة الخرطوم لا يزال النظام الصحي يعاني تداعيات كارثية، مما فاقم معاناة المواطنين بخاصة في ظل انعدام العلاج، وبات أصحاب الأمراض المزمنة مهددين بالموت بسبب فقدان الأدوية المنقذة للحياة، بعد توقف 41 من شركات الأدوية وأكثر من 90 في المئة من مصانع الدواء عن الإنتاج.
وتمثل أزمة انقطاع الكهرباء وتوليد الطاقة العقبة الأكبر في الوقت الحالي أمام استعادة قطاع الأدوية القدرة التشغيلية، إذ تعمل المصانع القليلة باستخدام ألواح الطاقة الشمسية والمولدات الكهربائية التي تدور بالجازولين، مما أدى إلى ارتفاع كلف التشغيل، واضطر أصحاب المصانع لإيقاف العمل، فضلاً عن هجرة رجال المال والأعمال إلى الخارج.
عقبات وأزمات
من جهتها قالت غرفة صانعي الأدوية في السودان إن “خسائر قطاع التصنيع الدوائي، بما في ذلك تعطيل سلاسل الإنتاج جراء الحرب تجاوزت المليار دولار، فضلاً عن خسائر مصانع الأدوية التي تشمل نهب وسلب كوابل الكهرباء وتدمير أجزاء من خطوط الإنتاج، إضافة إلى هجرة ما بين 40 و60 في المئة من الكوادر الفنية المتخصصة، مما يمثل تحدياً كبيراً لقطاع يعتمد على خبرات دقيقة يصعب تعويضها”.
وأوضح عضو غرفة صانعي الأدوية خالد وداعة أن “أزمة انعدام الطاقة الكهربائية المستفحلة تمثل العقبة الأكبر أمام استعادة الطاقة التشغيلية الكاملة، إذ تعتمد المصانع حالياً على استخدام ألواح الطاقة الشمسية والمولدات الكهربائية التي تعمل الجازولين، مما أدى إلى ارتفاع كلف التشغيل”.
ودعا الحكومة السودانية إلى توفير الكهرباء وإنشاء محفظة تمويلية عبر البنوك لشراء المواد الخام وتأهيل المصانع، وكذلك تبني سياسات جمركية وتمويلية داعمة، إضافة إلى حماية الصناعة الوطنية باعتبارها قطاعاً أمنياً استراتيجيات، مبيناً أن “استعادة كامل الطاقة التشغيلية للمصانع تسهم في تحقيق الوفرة الدوائية، وتقلل الضغط على النقد الأجنبي، وتعزز مسار التعافي الاقتصادي في البلاد”.
وأشار عضو غرفة صانعي الأدوية إلى أن “قطاع الصناعات الدوائية ركيزة اقتصادية مهمة، إذ يوفر نحو ثمانية آلاف وظيفة مباشرة، إلى جانب آلاف الوظائف غير المباشرة في قطاعات النقل والطباعة والتغليف، وتعول عليه أكثر من 50 ألف أسرة مما يجعله محركاً رئيساً للنشاط الصناعي والاقتصاد الوطني”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكشف عن استئناف الإنتاج في ستة مصانع على رغم الأضرار، ومنها “النيل الأزرق”، و”الصناعات الدوائية”، ومصنع القوات المسلحة، إضافة إلى مصنع “وفرة” الذي واصل الإنتاج طوال فترة الحرب. متوقعاً دخول أكثر من 10 مصانع أخرى دائرة الإنتاج بنهاية مارس (آذار) المقبل بعد استكمال عمليات التأهيل والمعايير الفنية، علاوة على إمكان عودة بقية المصانع قبل نهاية العام الحالي حال تحسن الإمداد الكهربائي وتوفير التمويل”.
وذكر وداعة أن قطاع الأدوية أسهم قبل الحرب في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير أصناف دوائية أساسية بأسعار مناسبة دعمت الإمدادات الطبية والتأمين الصحي”، متابعاً “صناعة الدواء تعد من أكثر القطاعات الاستراتيجية حساسية لارتباطها المباشر بالأمن الصحي والاقتصادي، إذ يضم القطاع أكثر من 30 مصنعاً”.
معالجات واستقرار
في السياق أوضح وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم أن “السودان يحتاج إلى تأمين دوائي لا يقل عن 300 مليون دولار سنوياً لتغطية احتياجات الأدوية الأساسية، وتبذل وزارة المالية ممثلة في الصندوق القومي للإمدادات الطبية جهوداً كبيرة لحل الأزمة إلى جانب الدور المهم للداعمين والمانحين من الدول الشقيقة والصديقة، فضلاً عن إسهام وكالات الأمم المتحدة والصناديق الدولية في تأمين اللقاحات والتطعيمات”، لافتاً إلى أن “السودان يواجه تحديات في توفير الأدوية، لكن الوضع الآن أفضل بكثير مما كان عليه في السابق”، موضحاً أن “26 مصنعاً في ولاية الخرطوم خرجت من الخدمة”.
ونوه إبراهيم بأنه “بحلول عام 2025 تحقق استقرار كامل في توافر الأدوية الأساسية، إذ جرى تأمين أكثر من 700 صنف دوائي من دون انقطاع، سواء للأمراض المزمنة أو الأدوية المنقذة للحياة”، إضافة إلى عودة عدد من مصانع الأدوية إلى العمل، مع اكتمال التشغيل لأكثر من ثلاثة مصانع، واستعداد أخرى لبدء الإنتاج خلال الأيام المقبلة”.
وأردف “الاستيراد الدوائي عبر الشركات نشط بصورة كبيرة، وتضاعف أكثر من خمس مرات مقارنة بالعام الأول للحرب، مما انعكس إيجاباً على الوفرة الدوائية، التي تحسنت من أقل من 30 إلى 40 في المئة بداية الأزمة إلى أكثر من 70 في المئة حالياً بالنسبة إلى أدوية الطوارئ والعلاجات الأساسية”.
توقف التصنيع
في المنحي ذاته قال عضو تجمع الصيادلة السودانيين عمر حسان إن “أزمة انعدام الطاقة الكهربائية المستفحلة التي يعيشها السودان نتيجة التدمير الواسع الذي لحق بمصادر التوليد وشبكات التوزيع، أسهمت في توقف شبه كامل لعمليات التصنيع المحلي، وتحول بعض المصانع موقتاً إلى استيراد الأدوية من الخارج، على رغم صعوبة النقل وارتفاع كلفة الشحن”.
ويوضح حسان أن هذه الأزمة “كان لها كبير الأثر في عدم وفرة الأدوية بكل ولايات السودان، ويمكن إجمالها في شح وغلاء أدوية القطاع الخاص التي توفرها الإمدادات الطبية مثل الأدوية الأساسية والمنقذة للحياة، إلى جانب جرعات مرضى السرطان والسكري والملاريا والأزمة الصدرية ومستلزمات غسيل الكلى والقساطر القلبية وصبغة الأشعة”.
ووفقاً لعضو تجمع الصيادلة السودانيين، فإن تأثير الحرب في قطاع الأدوية لا يقتصر على توقف الإنتاج المحلي فحسب، بل يمتد إلى انهيار سلاسل التوريد الإقليمية، وانقطاع واردات المواد الخام والمكونات الفعالة، وتدهور قدرات التخزين والنقل، مما جعل الحصول على الدواء في السودان أزمة إنسانية صامتة”.
ونوه بأن “أكثر المتضررين من عدم استئناف مصانع الأدوية للعمل هم مرضى الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع الضغط وأمراض الكلى، الذين يعتمدون على توافر الأدوية المنتجة محلياً بأسعار منخفضة”.
انقطاع الإمدادات
على الصعيد ذاته أفاد الصيدلي عادل إلياس بأن “غياب التصنيع المحلي لا يمكن تعويضه سريعاً بالواردات، بخاصة في ظل انهيار الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية وشح التمويل، إضافة أن إعادة بناء قطاع الأدوية في السودان ستكون مهمة طويلة الأمد تتطلب دعماً دولياً كبيراً”.
وأشار إلى أن “الصيدليات التجارية والمستشفيات تواجه أزمة حادة في التزويد، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأدوية بنسبة تجاوزت 300 في المئة في بعض المدن والمناطق، مع انتشار الأدوية المهربة والمزيفة في الأسواق نتيجة غياب الرقابة”، موضحاً أن “كثيراً من الصيادلة أجبروا على إغلاق صيدلياتهم بسبب انقطاع الإمدادات وفقدان مصادر الدخل، مما انعكس سلباً على خدمات الرعاية الأولية”.
وحذر الصيدلي السوداني من تفاقم الندرة الدوائية في الفترة المقبلة ما لم تكن هناك معالجات مستعجلة تضمن استقرار الإمداد لولايات البلاد المختلفة، وطالب وزارة المالية بتخصيص الموارد اللازمة للصندوق القومي للإمدادات الطبية للقيام بدوره في توفير الخدمة، ودعا المجلس القومي للأدوية والسموم إلى وضع الخطط بما يتناسب والوضع الحالي.
رقابة فاعلة
على نحو متصل قال أمين أمانة الرقابة في المجلس القومي للأدوية والسموم محمد بشير إنه “بحسب تقرير الرقابة النصف سنوي هناك تحسن في الوفرة الدوائية، إلى جانب انخفاض المخالفات التي نمت أثناء الحرب نتيجة الدور الرقابي الفاعل لفروع المجلس بولايات البلاد المختلفة”.
وبين أن المجلس شكل لجنة عليا لرقابة المنافذ تضم جهات عدة شملت الجمارك والأمن الاقتصادي والمواصفات والمقاييس بهدف حماية البلاد من خطر دخول الأدوية المهربة، فضلاً عن أن أسعار الأدوية باتت تخضع للائحة تسعيرة منضبطة”.
ومضى أمين أمانة الرقابة في المجلس القومي للأدوية والسموم في القول “يعمل المجلس على محاربة الأدوية المهربة عبر تقرير الرقابة وتفعيل آلياته في الولايات الآمنة، وتنفيذ حملات تفتيش للصيدليات بصورة مستمرة، مما أسهم في تقليل وجود الأدوية غير المسجلة، إلى جانب أن هناك إطاراً قانونياً رادعاً يتمثل في قانون الأدوية والسموم لعام 2009، وقوانين أخرى كقانون حماية المستهلك”.

