سلوك يتجدد سنويا، ويتجاوز مجرد الاستعداد الطبيعي للشهر الفضيل، ليطرح تساؤلات حول حدود التدبير المنزلي المشروع، ومتى يتحول إلى هوس استهلاكي يثقل كاهل الأسر ويؤثر على توازن الأسواق؟
التخزين بين التدبير والقلق الجماعي
تعتبر نعيمة، ربة بيت، أن التخزين المسبق يمثل شكلا من أشكال التنظيم المحكم لميزانية الأسرة، موضحة أن شراء المواد الأساسية قبل رمضان يمنحها نوعا من الاطمئنان، ويجنبها ضغط التسوق اليومي خلال الصيام، معتبرة إياه وسيلة لضمان استقرار مائدتها الرمضانية وتفادي أي ارتفاع مفاجئ في الأسعار قد يرافق الأيام الأولى من الشهر.
وتضيف، في تصريح لـSNRTnews، أن اقتناء المواد بكميات أكبر يدخل في إطار التدبير، مشيرة إلى أن تجربة الحجر الصحي خلال جائحة كورونا رسخت لدى كثير من الأسر ثقافة التخزين الوقائي، بعدما ارتبطت آنذاك بفكرة الأمان الغذائي والخوف من انقطاع التموين.
غير أن هذا المنطق لا يحظى بإجماع، فهناك من يرى أن التخزين يفقد معناه حين يتحول من احتياط معقول إلى اقتناء كميات تتجاوز القدرة على الاستهلاك، خاصة في ظل توفر السلع بشكل منتظم في الأسواق.
ويؤكد رب أسرة آخر أنه يفضل اعتماد الشراء اليومي لضمان استهلاك مواد طازجة، محذرا من فقدان بعض الأطعمة لقيمتها الغذائية عند تخزينها لفترات طويلة، ومن مخاطر تلف السلع في حال غياب شروط التخزين المناسبة، داعيا إلى تجنب ما وصفه بهوس الشراء غير المبرر.
وبين من يعتبر الظاهرة امتدادا لعادات اجتماعية راسخة لدى عدد من الأسر المغربية، ومن يراها عاملا يساهم في رفع الأسعار أو مجالا للتفاخر بين الأفراد، يتواصل الجدل كل سنة مع اقتراب رمضان.
الاستهلاك كآلية لإثبات المكانة
يربط المختص في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، الظاهرة بتحولات أعمق في البنية القيمية للمجتمع، معتبرا أن الإقبال المتزايد على تخزين المواد الغذائية لا يمكن فصله عن الضغط الاجتماعي والرغبة في إظهار القدرة على الاستهلاك.
ويوضح بنزاكور، في تصريحه لـSNRTnews، أن التباهي أصبح عنصرا جوهريا في تكريس هذه السلوكيات، حيث يسعى البعض إلى إبراز إمكانياته من خلال وفرة المائدة وتنوعها.
ويضيف أن الحديث عن زيادة الاستهلاك ينبغي أن يطرح سؤالا أعمق: هل تغيرت علاقة المجتمع المغربي بشهر رمضان، الذي يفترض في بعده الديني أن يعزز قيم التعبد والإحساس بالفقراء؟
وبحسبه، لم يعد الأمر مرتبطا فقط بعادات متوارثة، بل أيضا بتأثير الإشهار ووسائل التواصل الاجتماعي، التي رسخت صورة “المائدة المثالية” المليئة بالأطباق، في منافسة تتجاوز أحيانا القدرة الفعلية على الاستهلاك.
كما يشير إلى البعد النفسي المرتبط بالخوف من الندرة؛ فكلما ارتفع الإقبال على الشراء تعزز الإحساس بإمكانية نفاد السلع، حتى في غياب مؤشرات حقيقية على ذلك، بخلاف ما وقع خلال جائحة كورونا. ويؤكد أن هذه السلوكات، في غياب التعقل، قد تشجع بعض الباعة على استغلال الظرف وتؤثر على توازن العرض والطلب.
ويضيف أن الضغط الاجتماعي يلعب دورا محوريا، إذ أصبح الاستهلاك وسيلة لإبراز المكانة الاجتماعية، خاصة في سياق تتسع فيه دوائر المقارنة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، فالمائدة لم تعد مجرد فضاء عائلي، بل تحولت إلى “رسالة رمزية” موجهة للآخرين، تعكس القدرة على الإنفاق وتنوع الاختيارات.
ويرى بنزاكور أن هذا السلوك يتناقض مع البعد الروحي لرمضان، القائم على الإحساس بالفقراء وترسيخ قيم التضامن. ويتساءل: هل أصبح الفرد يبحث عن الاعتراف الاجتماعي عبر الاستهلاك بدل البحث عن السكينة الروحية؟
كما يشير إلى أن تكرار هذا السلوك سنويا يعزز ما يعرف في علم النفس بـ“سيكولوجية الجماهير”، حيث يميل الفرد إلى تبني سلوك الجماعة حتى لو لم يكن مقتنعا به بالكامل، خوفا من الشعور بالعزلة أو النقص.
ويحذر من أن الإفراط في الشراء يشكل ضغطا على الأسر ذات الدخل المحدود، التي تجد نفسها مضطرة لمجاراة النمط الاستهلاكي السائد. كما أن الارتفاع المفاجئ في الطلب قبيل رمضان يؤدي أحيانا إلى اضطراب في توازن السوق، ما يفتح الباب أمام زيادات في الأسعار، سواء بفعل المضاربة أو نتيجة توقعات مسبقة بارتفاع الاستهلاك.
ويشير إلى أن حجم الإنفاق الغذائي يرتفع بشكل ملحوظ خلال رمضان، رغم أن عدد الوجبات اليومية يتقلص إلى وجبتين أساسيتين، ما يعكس مفارقة واضحة بين الحاجة الفعلية ومستوى المشتريات.
موسم للمنافسة الاجتماعية
من جانبه، يرى الباحث في علم الاجتماع نبيل الصافي أن رمضان أصبح لدى فئات من المجتمع موسما للمنافسة، ومجالا للتباهي بالوفرة والتنوع، إلى درجة يمكن معها الحديث عن هوس استهلاكي.
ويطرح الصافي سؤالا جوهريا: لماذا يسعى الفرد إلى توفير أكثر من حاجته الفعلية؟ ولماذا يتحول الادخار المعقول إلى تخزين مفرط قد يخل بتوازن الأسواق؟
ويضيف الصافي، في تصريحه لـSNRTnews، أن هذه السلوكيات لم تعد حكرا على الفئات الميسورة، بل انخرطت فيها حتى أسر محدودة الدخل، في ظل اتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى فضاء لاستعراض الموائد وتكريس ثقافة المقارنة، بل إن بعض الأسر، قد تلجأ إلى الاقتراض لمجاراة هذا النمط الاستهلاكي، اعتقادا بأن المواد قد تنفد أو ترتفع أسعارها، بينما تساهم هذه السلوكات نفسها في خلق ضغط إضافي على السوق.
ويشرح أن السوق يتأثر مباشرة بهذه الدينامية؛ فحين يرتفع الطلب بشكل مفاجئ يختل التوازن بين العرض والطلب، ما يخلق مناخا يسمح بارتفاع الأسعار أو على الأقل بتوقع ذلك. والمفارقة، حسب تعبيره، أن شراء كميات مضاعفة بدافع الخوف من نفاد السلع هو نفسه ما يساهم في تغذية الإحساس بالندرة.
ويشدد السوسيولوجي على أن رمضان، في جوهره، لا يختلف عن باقي شهور السنة من حيث الحاجيات الغذائية الأساسية، بل إن عدد الوجبات يتقلص، ما يجعل الارتفاع الكبير في حجم المشتريات سلوكا غير مبرر اقتصاديا.
ويضيف أن جزءا مهما من هذه المواد المخزنة ينتهي في حاويات النفايات، إذ يؤدي الإفراط في إعداد الأطباق وتنوعها إلى ارتفاع معدلات هدر الطعام خلال الشهر الفضيل، وهو هدر لا يقتصر أثره على الجانب الأخلاقي والديني، بل يمتد إلى خسائر اقتصادية وبيئية.
بين الوعي والتخطيط
أمام هذه الظاهرة، يدعو المتخصصون إلى إعادة النظر في ثقافة التخزين، والتمييز بين الاحتياط العقلاني والسلوك القائم على الخوف أو التباهي. كما يشددون على أهمية التخطيط المسبق، ووضع لائحة دقيقة للحاجيات، وتفادي الانجرار وراء العروض الترويجية أو المقارنات الاجتماعية.
ولتعزيز هذا التوجه، يقترح خبراء الاستهلاك جملة من النصائح العملية، من بينها:
إعداد قائمة أسبوعية دقيقة للمشتريات بناء على عدد أفراد الأسرة ونوعية الوجبات الفعلية.
تحديد ميزانية مسبقة والالتزام بها لتفادي الإنفاق العفوي.
تجنب التسوق في أوقات الذروة أو تحت تأثير الجوع، لما لذلك من أثر على قرارات الشراء.
إعطاء الأولوية للمواد القابلة للحفظ الجيد، مع احترام شروط التخزين لتفادي التلف.
إعادة استثمار فائض الطعام عبر حفظه بطريقة سليمة أو تقاسمه مع الجيران والأسر المحتاجة.
ترسيخ ثقافة الاعتدال لدى الأطفال، حتى لا يرتبط رمضان لديهم بالإفراط في الاستهلاك.

