الدوحة في 18 فبراير /قنا/ تشكل فريضة الصيام إحدى الركائز الأساسية في بناء الفرد والمجتمع، لما تحمله من أبعاد روحية وأخلاقية وثقافية تسهم في تعزيز قيم وثقافة الترابط والتراحم والتكافل بين أبناء الأمة الإسلامية.
كما يتجاوز الصيام الإطار التعبدي المتمثل في الامتناع عن الأكل والشراب ونحو ذلك، وفق مقاصد القرآن الكريم والسنة النبوية، ليتحول إلى مدرسة إيمانية وتربوية متكاملة تعيد تشكيل السلوك الفردي والجماعي، وتسهم في بناء مجتمع متوازن يقوم على التقوى والوعي والمسؤولية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور رمضان خميس أستاذ في كلية الشريعة بجامعة قطر، أن القرآن الكريم قدم فريضة الصيام بوصفها مدرسة أخلاقية وتربوية متكاملة، ركزت على المقاصد والمعاني السلوكية، لا على الأحكام المجردة فقط.
وأوضح الدكتور رمضان خميس في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية ” قنا “، أن المتأمل في آيات الصيام يجد أن القرآن الكريم مزج بين التشريع والمقصد، مستشهدا بقوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”، حيث ربط الصيام مباشرة بمفهوم التقوى، وهو ما يعكس المنهج القرآني العام في العبادات، كما في الصلاة والزكاة والحج، إذ يركز القرآن على الأثر السلوكي والعملي للعبادة باعتباره كتاب هداية ودستور حضارة للبشرية.
وأشار إلى أن ارتباط الصيام بالتقوى يعود إلى كونه عبادة خفية لا يطلع على حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى، مما يجعل الصائم في حالة دائمة من المراقبة الإلهية، وهو ما ينعكس على تهذيب السلوك الفردي وتعزيز ضبط النفس، جسديا من خلال الامتناع عن الطعام والشراب، ونفسيا عبر كبح الشهوات والانفعالات والمحافظة على صفاء الروح طوال اليوم.
وبين أن الصيام يحمل دلالات ثقافية عميقة، كونه ممارسة يومية تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين، إذ يتعلم الصائم الانضباط واحترام الآخرين، وضبط اللسان والسلوك، حتى في حال التعرض للإساءة، مستحضرا المعنى النبوي: “فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم” .
وأكد أن الصيام يمثل أكبر مدرسة عملية لتدريب الإنسان على الصبر والانضباط، حيث يمتنع الصائم عن الحلال وهو قادر عليه، طلبا للأجر والثواب، مما يرسخ قيم الإرادة والتحكم الذاتي، مضيفا أن المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ عاشت هذه المعاني بصورة تطبيقية، وكلما وعت الغاية الحقيقية من الصيام، انعكست ثماره إيجابا على الأفراد والمجتمع.
واختتم الدكتور رمضان خميس تصريحه بالتأكيد على أن فريضة الصيام أسهمت في تشكيل الثقافة الإسلامية عبر العصور، من خلال تعزيز الشعور بالجائع والفقير والمريض، وترسيخ التواصل الروحي بين المسلمين في المشارق والمغارب، معتبرا الصيام عبادة حضارية تعيد الإنسان إلى إدراك ضعفه الإنساني، وتعمق إحساسه بالآخرين، مسلمين وغير مسلمين، في إطار من الرحمة والتكافل الإنساني.
من جهته قال الدكتور عبدالسلام أبو سمحة أستاذ الحديث في كلية الشريعة بجامعة قطر، في تصريح مماثل لـ ” قنا ” إن شهر رمضان يمثل مدرسة متكاملة لبناء الفرد والمجتمع، ويجسد أسمى معاني التوازن بين الروح والجسد، وبين الفرد والجماعة.
وأوضح أن حلول الشهر الفضيل ليس مجرد حدث زمني عابر، بل هو نفحة إيمانية توقظ القلوب، وتستنهض في النفوس معاني الأخوة والتسامح، وتعيد للحياة صياغتها الأخلاقية بعد ما يعتريها من غفلة على مدار العام، مشيرا إلى أن حقيقة الصيام تتجاوز الجسد إلى الروح، لتحقيق الوقاية والسلامة، كما جاء في الحديث الشريف: «الصيام جنة».
وبين الدكتور عبدالسلام أبو سمحة، أن الله تعالى امتن على عباده في رمضان بإدخالهم في دورة تدريبية ذاتية ومجتمعية، تمنح الفرد فرصة لإعادة بناء الذات وتزكية النفس، كما تمنح المجتمع دفعة متجددة لترسيخ القيم التي تصنع منه مجتمعا متماسكا، يستمد توازنه من منظومة أخلاقية رفيعة غايتها التقوى، التي جعلها الله تعالى المقصد الأعلى للصيام في قوله: لعلكم تتقون
وأشار أستاذ الحديث بجامعة قطر، إلى أن الصيام في جوهره مدرسة للأخلاق وحسن التعامل، مستدلا بتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم التي نقلت الصائم من ظاهرية الامتناع عن الطعام والشراب إلى عمق الرسالة التربوية للصيام، مؤكدا أن العبادة لا تكتمل دون تهذيب السلوك، كما في قوله صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
وأضاف أن السيرة النبوية جسدت هذا المعنى عمليا، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، في دلالة واضحة على أثر الصيام في تعزيز الجود والتكافل داخل الأسرة والمجتمع، بما يرسخ التماسك الاجتماعي ويقوي الروابط الإنسانية.
وأكد الدكتور أبو سمحة أن الصائم يتحول في رمضان إلى أنموذج للرفق المجتمعي، مستحضرا التوجيه النبوي: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب…»، وهو ما يعزز ثقافة ضبط النفس، واستيعاب أخطاء الآخرين، وحماية اللسان من الفحش، لتسمو القلوب وتصفو العلاقات داخل المجتمع.
وشدد الدكتور عبدالسلام أبو سمحة أستاذ الحديث في كلية الشريعة بجامعة قطر في ختام تصريحه لـ /قنا/ على أن وعي الأمة برسالة رمضان يعيد إليها هويتها الجامعة، حيث تتوحد القلوب على موائد العبادة والطاعة، من صلاة وتراويح وتلاوة للقرآن، وتتجلى مظاهر الوحدة والتآلف في مشاهد الإفطار والسحور، لتؤكد أن الأمة واحدة يجمعها الدين وتعززها العبادات وتشد أواصرها القيم الإيمانية المشتركة.

