في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- تحت كتلٍ خرسانية ضخمة مائلة للسقوط، تشبه فكّا حجريا يفترس الفراغ، يغوص ابن قطاع غزة أبو جمال بجسد مبتور القدمين في قلب الغبار، بينما تنبش يداه، اللتان غطّاهما قفازان برتقاليان نال منهما التمزق والكدّ، في أحشاء الردم، تقبضان على بلاطة منسية تحت أطنان الأسمنت، وتنتزعانها كمن يستخرج كنزا من بين الأنقاض.
فالحمل هنا ثقيل، لا يكسره إلا صرير احتكاك الحجارة وأنفاس الرجل المتلاحقة وهو يُطوِّع المستحيل.
وداخل مساحة ضيقة أحاطتها جدران من القماش الأبيض والنايلون الأزرق، يجثو أبو جمال (47 عاما) على أطرافه المبتورة، محوِّلا باطن الخيمة إلى ورشة بناء مصغرة يُنسِّق فيها البلاط المستخرج ببراعة هندسية، ويضعه فوق الرمال الصفراء بدقة متناهية.
ويحرص على أن تكون الأرضية مستوية لتقي عائلته وأبناءه لسعات البرد وتسلل مياه الأمطار، وكل بلاطة يضعها هي حكاية استرداد لجزء من منزله الذي كان يوما عامرا.
العودة فوق الركام
في الخارج، يبدو المشهد خياليا، خيمة بيضاء وحيدة تنتصب كشاهد على البقاء وسط بحر متلاطم من الدمار الرمادي، وأسياخ الحديد الصدئة تبرز من الأسقف المحطمة كأشواكٍ عملاقة، والمباني المجاورة تحوّلت إلى هياكل عظمية بلا أرواح، فيما تمر الريح الباردة، في هذا الشتاء القارس، بين الفتحات الممزقة كأنها تفتش عما تبقى من حياة.
وسط هذا الخراب الشامل، يتحرّك الرجل على يديه بين الركام بسلاسة تكسر منطق العجز، يجمع الأخشاب، ويبحث عن قطعة ملابس ضائعة، ويصنع من “اللاشيء” مكانا صالحا للحياة. إنه مشهد حيّ لإرادة ترفض أن توضع على الرف، تُثبت أن البيوت تُبنى بالإصرار قبل الحجارة، وأن الأرض، التي شربت دماء أصحابها، تمنحهم القوة ليقفوا عليها مجددا، حتى وإن خانتهم أقدامهم.
خيمة أبو جمال ليست مجرد مأوى مؤقت، إنها إعلان عودة، ففي منطقة الساحة وسط مدينة غزة، أمام منزله المدمر مباشرة، قرر أبو جمال أن يعود ليستقر فوق ركامه، إذ لم يعد النزوح خيارا ممكنا، ولا الطوابق العالية تحتمل جسدا أثقله الفقد مرتين.
ويرفع أبو جمال رأسه عن البلاط الذي يرصّه، ويقول بصوت متقطع لكنه ثابت “والله إننا مرغمون على نصب هذه الخيام، فلم نجد مكانا آخر نلجأ إليه، فاستقر بنا الحال في الشارع”.
وأشار بيده إلى الطريق الملاصق للركام، مضيفا للجزيرة نت “نحفر الآن تحت أنقاض منزلنا لنستخرج بعض البلاط لرصف أرضية الخيمة، حماية لنا من مياه الأمطار وبرد الشتاء، هذا هو حالنا، فماذا عسانا نفعل في هذه الحياة القاسية؟”.
مصدر الصورة
من بين أنقاض منزله المدمر استخرج أبو جمال الحجارة والبلاط ليبني خيمته (الجزيرة)
معاناة مزدوجة
وبعد نزوح متكرر دُمّر فيه منزله على مدار عامي حرب الإبادة، كان أبو جمال يسكن في الطابق السادس من بناية أخرى، في غرفة تعود لأناس “يطالبوننا بإخلائها يوميا”، ويستذكر تلك الأيام قائلا “كنا نتنقل من منطقة إلى أخرى بحثا عن مأوى، ونحمل ما خفّ من أمتعتنا، ونصعد الدرج كما لو كان جبلا لا ينتهي، فأصل إلى الأعلى وأنا أختنق من شدة التعب”.
وصمت لحظة، ثم أضاف “بسبب وضعي الصحي الذي لا يسمح لي بالصعود والنزول يوميا، اضطررت لإزالة الردم أمام منزلي ونصب خيمة للسكن فيها، فمشقة الصعود للطابق السادس صعبة جدا بالنسبة لي، كإنسان فقد قدميه في الحرب”. وتابع بعدما نظر إلى طرفيه المبتورين قائلا “في تلك الحرب ظننت أنني دفعت الثمن كاملا، لكن يبدو أن للحرب أقساطا طويلة”.
وأشار أبو جمال إلى ابنه الأكبر وواصل حديثه “ابني الأكبر أيضا فقد ساقه في حرب الإبادة هذه، وتحديدا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكنت أنتظر أن يكون سندي حين تعجزني الأيام، لكننا اليوم عاجزان معا عن بلوغ الطابق السادس”.
وحين عاد إلى ركام البيت أول مرة، كما يروي، توقف طويلا أمام الباب الذي لم يعد بابا “وشعرت أنني غريب في مكاني. فنظرت إلى الجدران المحطمة وقلت لنفسي: هنا كانت غرفة الجلوس، وهنا كانت ضحكات الأولاد. لم أبكِ أمامهم، لكن قلبي كان يبكي بصمت”. ثم حسم أمره “قلت لنفسي: إن لم أستطع الصعود إلى بيت في السماء، فسأبني بيتا على الأرض، ولو كان خيمة”.
وحول الخيمة، بدأت ملامح حياة صغيرة تتشكل، حيث ترتب زوجته الأغطية القليلة التي نجت من الحرب، وطفل أصغر سنا يراقب والده وجده وهو يرص البلاط، ويسأل ببراءة “هل سيعود البيت كما كان؟”. يجيبه أبو جمال وهو يربت على رأسه “سيعود أجمل، لأننا سنبنيه بأيدينا”.

مصدر الصورة
أبو جمال فقد قدميه خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة (الجزيرة)
تعاضد وأمل
وإلى جوار الخيمة، يجلس نجله جمال (20 عاما) على قطعة خرسانة كسرتها الحرب، يراقب والده وهو يعمل، وساقه المبتورة لا تزال تؤلمه، لكنه يحاول إخفاء ذلك قائلا “طوال حياتي، كان والدي هو بطلي الذي يمشي على إرادته لا على قدميه، كنتُ أرقبه وهو يصارع الحياة، وأعدُّ الأيام والسنوات لأكبر، لكي أكون أنا ساقيه اللتين يركض بهما، وظهره الذي يستند إليه”.
وأكمل للجزيرة نت “كنتُ أقول لنفسي: سأحمله عن درج الطابق الـ6، سأكفيه مشقة الطريق، وكنت أعد نفسي لذلك اليوم، لكن حرب الإبادة كانت أسرع من أحلامي، فصاروخٌ إسرائيلي غادر غيّر قدري، واختطف ساقي، ليجعلني أشاطر أبي العجز ذاته والألم ذاته”.
وحين عاد إلى المكان بعد إصابته، شعر جمال بثقل مضاعف، وقال “نظرتُ إلى أبي مبتور القدمين وهو يحفر الأرض بيديه العاريتين، فشعرتُ بغصة، فبدل أن أرفعه أنا إلى الأعلى، صرنا نبحث معا عن مساحة مستوية وسط الردم لننصب خيمة تسترنا”.

مصدر الصورة
خيمة أبو جمال شيدت فوق أنقاض منزله لتنهض من بين الركام وسط مدينة غزة (الجزيرة)
وواصل جمال بعد أن مرّ طيف ابتسامة فوق وجنتيه “الوجع ليس في ساقي المبتورة، بل في رؤية والدي يزحف بين الحجارة ليُوفّر لي مكانا أنام فيه. لكنني اليوم، ورغم جرحي الذي لم يندمل تماما، قررت أن أتعلم منه فن الصمود، سأرصف معه هذا البلاط، وسنصنع من حطام منزلنا أرضية صلبة، ولن نسمح لهذا الركام أن يدفن عزيمتنا”.
ثم مد يده إلى بلاطة أخرى، وناولها لوالده، وقال متعهدا “نحن هنا، فوق ترابنا، أنصاف أجساد لكن بهامات تلامس السماء. قد نخسر ساقا أو بيتا، لكننا لن نخسر إرادتنا”.
ومع اقتراب الغروب، تتداخل ظلال الأب والابن فوق أرضية البلاط الجديدة داخل الخيمة، ويخف صرير الحجارة، والريح تهدأ قليلا.
وفي هذا الركن من مدينة غزة، لا يرتفع بيت من أسمنت، بل خيمة من قماش وإرادة، وعلى أرض رُصفت ببقايا الذاكرة، يجلس رجلان فقد أحدهما ساقا والآخر فقد ساقيه، لكنهما يُصرّان على الوقوف، كلٌّ بطريقته، فوق ترابهما، منتظرين صباحا آخر يواصلان فيه إزالة الركام، وبناء ما تبقى من الحياة.

