في وطن تتراكم فيه مشاهد الفقد والألم والقهر، تواصل المغنية والمؤلفة الموسيقية مايا الخالدي مشروعها الفني الذي يسعى لإحياء البكائيات الفلسطينية بوصفها طقساً تراثياً يعبّر عن الحزن الجماعي والمقاومة. من خلال موسيقاها، تستكشف الخالدي العلاقة بين الحزن والذاكرة محاولةً تحويل الألم الجماعي إلى لغة موسيقية تعبّر عن صمود الفلسطينيين وتاريخهم.
تعيد مايا الخالدي إحياء فن الرثاء أو “البكائيات”، وهو طقس تراثي فلسطيني كان يشكّل وسيلة أساسية للتعبير عن مشاعر الحزن والذاكرة الجمعية. عبر مشروعها الموسيقي “من ماضي البكائيات”، تمزج بين الأصالة والتجريب ساعيةً لاستعادة هذا الفن المنسي ومنحه بُعداً عصرياً يتواصل معه الجيل الجديد.
بدأت رحلة الخالدي الموسيقية منذ طفولتها متأثرةً بوالدتها التي شجعتها على الغناء. ورغم دراستها الغناء الكلاسيكي الغربي (الأوبرا)، شعرت أن هذا النوع لا يعبر عن هويتها، فاختارت دراسة “الجاز”، ما فتح أمامها آفاقاً جديدة لاستكشاف الموسيقى العربية والفلسطينية.
عند عودتها إلى فلسطين، أسست فرقاً موسيقية متنوعة مثل فرقة “جيتارين” التي قدّمت أغنيات عربية بأسلوب مبتكر، وفرقة “أسطوانات” التي ركزت على الأداء الصوتي النسائي من دون استخدام آلات موسيقية. كانت هذه التجارب وسيلة لتعزيز وعيها بأهمية استعادة التراث الفلسطيني وتطويره.
تميّزت هذه الفرقة بتجربة فريدة، لم تقتصر على الأداء، بل تضمنت تأليف مقطوعات جديدة تعكس هوية أعضائها الموسيقية. ونتيجة لهذه التجربة، صدر ألبوم في عام 2020 تتويجاً لمسيرة فنية تجمع بين التجريب والإبداع.
في إطار تطوير مشروعها الموسيقي، انتقلت الخالدي إلى لندن لمتابعة دراستها العليا في الموسيقى التجريبية، حيث وسّعت آفاقها بتجاوز القوالب التقليدية. خلال هذه الفترة، تعمقت أكثر في الموسيقى العربية الكلاسيكية، لتجد في الفلكلور الفلسطيني مدخلاً مثالياً لاستكشاف جذورها الفنية.
مع اندلاع حرب الإبادة في غزة، أدركت الخالدي أن الفلكلور الفلسطيني ليس مجرد إرث ثقافي، بل هو صوت يعبر عن واقع الفلسطينيين. هذه القناعة دفعتها إلى استكشاف فن “البكائيات”، وهو طقس تقليدي نسائي للتعبير عن الحزن الجماعي بدأ بالاندثار.
تعاونت مايا الخالدي مع المتحف الفلسطيني في بيرزيت بحثاً عن تسجيلات ومصادر توثق هذا الفن. وجدت أن معظم النصوص رغم ندرتها كانت محفوظة من دون ألحان، ما دفعها لإعادة تلحينها بأسلوب يجمع بين التقليدي والمعاصر، بهدف إحيائها بما يتناسب مع العصر الحالي.
تقول الخالدي إن الدافع وراء هذا البحث هو إدراكها وجود طقس ثقافي عريق بدأ بالتلاشي. ترى أن نكبة 1948 لم تكن السبب الوحيد لاختفاء هذا الفن، بل تبعتها نكسة 1967، التي تسببت في تهجير واسع وخلّفت حزناً عاماً أثر في الثقافة الفلسطينية. هذا التراكم أدى إلى فقدان جزء من الهوية الفنية، بما في ذلك الموسيقى الفلكلورية والمسرح الشعبي.
توضح مايا الخالدي أن موسيقى الرثاء ليست محصورة في الثقافة الفلسطينية، بل هي جزء من تراث عالمي موجود في مختلف الثقافات عبر التاريخ. لكنها تتميز في الثقافة الفلسطينية بدور المرأة المركزي فيها؛ فالنساء كنّ من يكتبن هذه الأغاني، ويغنينها، ويمارسنها، ما يبرز دورهن في إدارة مشاعر الحزن الجماعي والتعبير عنها.
قدمت الخالدي عرض “من ماضي البكائيات” عبر مبادرة “العتبة” الموسيقية في مركز خليل السكاكيني في رام الله. شكّل العرض تجربة مؤثرة، حيث تفاعل الجمهور بعمق مع الأداء الذي جمع بين الصوت والألحان التجريبية، مقدّماً مساحة للتعبير عن مشاعر الحزن والحداد الجماعي.
تميّز العرض بمشاركة موسيقيين مبدعين، مثل فارس أمين (عازف التشيللو) وسارونا مشعشع (عازفة القانون) وزينة عمرو (مغنية). توضح الخالدي أن الهدف لم يكن مجرد إعادة تقديم الأغاني القديمة، بل اختبار إمكانية تطوير هذه التقاليد عبر إضافة عناصر موسيقية جديدة من دون فقدان أصالتها. وقد منح هذا المزج العرض طابعاً حميمياً، حيث شعر الجمهور بأنه جزء من الطقس نفسه، يشارك في تجربة وجدانية تتناغم فيها مشاعر الحداد والتواصل العاطفي العميق.
تؤمن الخالدي بأن الغناء عن الحزن ليس استسلاماً له، بل وسيلة لفهمه والتصالح معه. بالنسبة إليها، الموسيقى ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لمقاومة محاولات طمس الهوية الفلسطينية، وتحويل الألم إلى جزء من الذاكرة الجماعية بدلاً من أن يكون مجرد جرح صامت.
تقول الخالدي إن عرض “من ماضي البكائيات” أتاح للحاضرين فرصة للتعبير عن مشاعرهم، حيث عبّر البعض عن شعورهم بأنهم تمكنوا أخيراً من التعبير عن الفقدان الذي حملوه خلال الحرب، بينما اعتبر آخرون أن العرض كان بمثابة تذكير حميم بذكريات عزيزة.
تُدرك الخالدي أن هناك محاولات مستمرة لمحو الثقافة الموسيقية العربية والفلسطينية، ما يجعل التمسك بها شكلاً من أشكال المقاومة. تعتبر أن الاستمرار في إنتاج موسيقى فلسطينية جديدة باستخدام لغتها وأساليبها يمثل خطوة حاسمة في إثبات وجود الهوية الفلسطينية وحماية تراثها من التلاشي.
حالياً، تعمل الخالدي على تحويل مشروعها إلى ألبوم موسيقي يتناول أغاني البكائيات بمنظور تجريبي. كما تشارك في إقامة فنية في فرنسا، حيث تتعاون مع فنانات مثل يمنى سابا من لبنان ودينا الوديدي من مصر، تحت إشراف كاميليا جبران، بهدف استكشاف آفاق جديدة للموسيقى العربية من خلال تأليف مقطوعات موسيقية مشتركة.

