منذ أكثر من نصف قرن، أطلقت مدينة المكلا في حضرموت أغنية شعبية عنوانها “يا بنات المكلا” جمعت بين بساطة الكلمات وطرب الألحان التقليدية، لتعكس الهوية الثقافية والساحلية للمدينة، لكنها لم تغن رسمياً من قبل أي فنان يمني، إلا أن الأداء المتميز للفنان السوري الراحل فهد بلان منحها انتشاراً واسعاً في الساحة العربية، وجعل مدينة المكلا رمزاً للجمال والذاكرة الشعبية.
وعلى رغم عشق الجمهور لها، أبدت بعض الأوساط الحضرمية تحفظاً بسبب الطابع الغزلي المباشر وحساسية تناول المرأة، فيما يرى المدافعون عنها أنها جزء من التراث الشعبي واحتفاء بالهوية الحضرمية.
ممنوعة من البث
وتمثل أغنية “يا بنات المكلا” لوناً غنائياً يعكس الهوية الشعبية للمنطقة، إذ تتغزل في فتيات مدينة المكلا، وتصف جمالهن وأخلاقهن بأسلوب شاعري لطيف يعكس روح المحبة والفخر بالمدينة وأهلها، وتتميز كلماتها بالعفوية والصدق، وتعتمد على مفردات محلية تعكس البيئة الحضرمية وطبيعة المجتمع.
الخبير الموسيقي محمد خميس يقول إن الأغنية تقوم على إيقاع شعبي تراثي يستخدم في المناسبات الاجتماعية مثل الأعراس والاحتفالات، وهذا جعلها راسخة في الذاكرة الشعبية، موضحاً أنها أصبحت نموذجاً لتمازج التراث اليمني مع الغناء العربي خارج الحدود الجغرافية.
الإرث الحضرمي
ويرى خميس الأغنية أكثر من مجرد غناء شعبي، فهي تعكس أسلوب الحياة في المكلا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ويعكس الإيقاع التراثي للأغنية مناسبات الاحتفال والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، بينما كلماتها تبرز العلاقة الرمزية بين المدينة وسكانها، خصوصاً النساء، باعتبارهن يُمثلن الجمال والدفء والهوية الحضرمية.
ويوضح المتحدث أن النصوص الغزلية في الأغنية لم تفهم بالمعنى الشخصي فحسب، بل كرؤية مجازية للمدينة والبيئة البحرية التي شكلت حياة أهل المكلا، بينما من الناحية الموسيقية تجد أن المزج بين الألحان الحضرمية والكلمات الشامية في أداء فهد بلان منح الأغنية قدرة على الانتشار خارج اليمن، ممهداً لربط التراث الشعبي بالحقل الموسيقي العربي الأوسع.
ويؤكد خميس أنه على رغم تحفظ بعض الفئات المحافظة على مضمون الأغنية يبقى تأثيرها الثقافي واضحاً، إذ تتيح للأجيال الجديدة فهماً أعمق لعادات المجتمع وعلاقته بالموسيقى والغناء الشعبي، وهو ما يجعلها إرثاً حضرمياً لا يقتصر على الماضي، بل يمتد ليكون جزءاً من الذاكرة الموسيقية العربية المشتركة.
جدل حول كاتب الكلمات
خلال الأعوام الأولى لانتشار الأغنية، كان هناك تكتم على اسم كاتبها لأسباب غير معروفة، وعلى رغم أن بعض المهتمين بالفن الحضرمي نسبوا كلماتها إلى الشاعر الحضرمي الراحل حسين أبو بكر المحضار، فإن الأرجح وفق عدد من الروايات أن صاحب الكلمات هو العميد الأردني فهد مقبول الغبين، الذي توفي خلال سبتمبر (أيلول) 2009 عن عمر ناهز 80 سنة.
ويعد الغبين أحد أبرز رجالات قبيلة بني صخر في الأردن، وخدم في الجيش العربي وشارك في حرب 1948 وحرب يونيو (حزيران) 1967، ووثق تجربته في كتابه “مذكرات محارب”، وكان شخصية عسكرية وعشائرية معروفة.
ارتبط الغبين بالمكلا وحضرموت عندما التحق خلال فبراير (شباط) 1955 بالجيش البدوي الحضرمي، وتسلم قيادته من العقيد نايف الفايز، وعمل على إعادة هيكلته وتنظيمه وتأسيس رواتب الخدمات الإدارية، وخلال تلك الفترة تنقل بين عدد من المدن والأرياف والصحارى الحضرمية، وكانت المكلا من أكثر المناطق التي أحبها فكتب عنها واحدة من أبرز القصائد الغنائية في تاريخ حضرموت، واستمرت خدمته حتى قبيل الاستقلال الوطني عام 1967.
من حضرموت إلى الشام
الأغنية من ألحان الملحن السوري عبدالفتاح سكر وتحمل طابعاً غنائياً شامياً، وغناها للمرة الأولى الفنان السوري الراحل فهد بلان أواخر الستينيات، خلال حفلة للتلفزيون الأردني عام 1969، بعدما كانت جزءاً من الأغاني الشعبية المتداولة شفهياً في حضرموت لفترة طويلة.
ليست مجرد مدينة
يشير الكاتب والباحث الفني علي حميد إلى أن الأغنية تدور حول الغزل بالمكان والإنسان معاً، فالشاعر لا يمدح بنات المكلا بوصفهن أفراداً فحسب، بل يجعلهن رمزاً لجمال المدينة وروحها.
ويضيف في حديثه إلى “اندبندنت عربية” أن المكلا هنا ليست مجرد مدينة، بل فضاء للحب والذكريات والحنين، كما أنها تنتمي إلى الغزل الشعبي الممزوج بروح حضرمية واضحة، وفيها احتفاء بالمرأة باعتبارها عنواناً للجمال ورمزاً للهوية الحضرمية والمكلاوية خصوصاً، ورمزاً للبحر والانفتاح، كونها مدينة ذات طابع تجاري وثقافي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعن أداء الفنان فهد بلان للأغنية يقول إنه “يعرف بصوته الجبلي القوي، وعندما يؤدي نصاً حضرمياً يحدث تمازج جميل بين القوة الجبلية والعذوبة الساحلية، فيغدو الأداء حماسياً احتفالياً وكأنها أغنية تغنى في الأعراس والمناسبات، وهذا ما يمنحها صدقاً شعبياً يجعلها قريبة من الناس، فهي ليست قصيدة تأملية بل أغنية احتفاء وفرح وغزل شعبي بسيط ومؤثر واحتفاء بالمرأة والمكان، كما أنها تشكل نموذجاً لانتشار الأغنية الحضرمية في الفضاء العربي”.
يرى حميد أن الأغنية تعد مثالاً على التراث الموسيقي الذي عبر الحدود إلى الخليج والعالم العربي بفضل أداء الفنان السوري فهد بلان، الذي صورها بأسلوبه الخاص بما يمزج بين اللهجات والأنغام، واشتهرت أغانيه التي ما زالت تغنى حتى اليوم بصوته الجبلي المميز، وحقق انتشاراً واسعاً في أرجاء الوطن العربي، وغنى عدداً من الأغاني العربية الناجحة وأهمها “واشرح لها” و”جس الطبيب” و”تحت التفاحة” و”هالأكحل العينين” و”يا بنات المكلا” و”يا عيني لا تدمعي”.
جدلية الأغنية
على رغم انتشار الأغنية وجاذبيتها الفنية، أبدت بعض الأوساط في المجتمع الحضرمي ومن ضمنها شخصيات مجتمعية وثقافية تواصلت معهم “اندبندنت عربية” تحفظها تجاه كلماتها الغزلية، معتبرة أن التغزل المباشر بالفتيات قد يتجاوز الأعراف الاجتماعية المحافظة التي تميز المجتمع الساحلي المحافظ، ويشير هؤلاء إلى أن الحساسية تجاه صورة المرأة، إضافة إلى الاعتبارات الدينية والاجتماعية، أسهمت في إعادة قراءة الأغنية بمعايير مختلفة عن تلك التي سادت أثناء انتشارها الأول، مما جعل بعض الفئات تنظر إليها بحذر أو تحفظ.
في المقابل، يؤكد مدافعون عن الأغنية وهم كثرٌ أن النص يحتفي بالمرأة كرمز للجمال والمدينة والذاكرة، وليس كموضوع للإساءة، وأن بساطته وعفويته تجعل منه جزءاً من التراث الشعبي المرتبط بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات، ويرون أن الأغنية أسهمت في تعزيز الحضور الفني والثقافي للمكلا وحضرموت داخل الفضاء العربي، وأن التعامل معها ينبغي أن يكون ضمن سياقها التاريخي والثقافي بعيداً من قراءة معاصرة قد تُحمل النص أكثر مما يحتمل.
في خلاصة هذا الجدل تبقى “يا بنات المكلا” مثالاً حياً على التفاعل بين المحافظة والتجديد وبين التحفظ والتقدير، وتجسد جدلية الانتماء الفني والثقافي في التراث الحضرمي، مما يجعلها مادة غنية للتحليل الموسيقي والاجتماعي على حد سواء.
أجواء القصيدة
ظهرت كلمات “يا بنات المكلا” وكانت تردد شفهياً خلال خمسينيات القرن الـ20، في زمن كانت مدينة المكلا عاصمة السلطنة القعيطية ومركزها الإداري والعسكري، وكان سلطانها حينها السلطان عوض الثاني بن صالح القعيطي وتميزت بطابع بحري واضح، إذ كان ميناؤها القلب النابض للحركة التجارية والاقتصادية، وعمرانياً اتسمت بطراز ساحلي ومنازل متقاربة مطلية بالجير الأبيض، ونوافذ خشبية مزخرفة، وأزقة ضيقة تتخلل الأحياء القديمة، وكان قصر السلطان القعيطي من أبرز معالم المدينة آنذاك.
أما نساء المكلا خلال تلك الحقبة، فقد عشن ضمن إطار اجتماعي محافظ تحكمه التقاليد الحضرمية والأعراف السائدة في المجتمع الساحلي، مع مزيج من الالتزام الديني والترابط الأسري والمشاركة المحدودة في الحياة الاقتصادية، وكان تعليم الفتيات محدوداً نسبياً، ويتركز في الكتاتيب الدينية والتعليم المنزلي، قبل أن تبدأ المدارس النظامية للبنات في الظهور مطلع الستينيات.

