ليس كل مطرب ناجح «صاحب مشروع»، وليس كل صاحب مشروع «مطرب ناجح» قادراً على توصيل أفكاره وتحقيق مشروعه.. فى دنيا الموسيقى هناك دائماً فئتان من المطربين، الأولى هى فئة المطرب الناجح المشهور الباحث فقط عن زيادة رصيده من النجاح لدى الجمهور بأى وسيلة «أغنية حلوة – تريند لطيف – شكل مختلف فى الحفلات» تلك الفئة هى السواد الأعظم من المطربين على الساحة العربية، وهى نفسها الفئة التى إن حاولت البحث لها عن مشروع غنائى يميزها فلن تجد إلا أوعية خاوية من الأفكار؛ معظمهم تسيطر عليهم فكرة واحدة فقط هى «النجومية»، ولا يشغل بالهم من أين جاءت بقدر ما يشغلهم ألا تنتهى.
أما الفئة الأخرى فهم المطربون أصحاب المشروعات الغنائية والموسيقية، بمعنى أنهم لا يقدمون أعمالاً غنائية إلا داخل إطار معين من الأفكار التى يعتنقونها موسيقياً رغم صعوبة الأمر والضغط النفسى الشديد الذى يتعرضون له فى البدايات لعرض أسلوبهم الغنائى، ومن بين تلك الفئة تجد المطرب القادر على فرض مدرسته على المتلقى ليصبح رقماً مهماً فى معادلة سوق الكاسيت، ومنهم من يتوه فى زحام الأفكار الخاصة بمشروعه دون أن يملك القدرة على عرض أسلوبه بشكل مثالى، وبالتالى يخسر فرصة الوجود مطرباً ولا حتى صاحب مشروع موسيقى.
وقبل أن تتساءل عن سبب تلك المقدمة الطويلة للتعريف بماهية المشروع الغنائى وامتلاك المطرب له من عدمه، أجيبك على الفور بضرورة التمعن فى سطورها وفهمها كمدخل للحديث عن حمزة نمرة، الذى أرى فيه واحداً من أصحاب أهم المشروعات الموسيقية والغنائية فى مصر خلال الفترة الحالية.. مشروع حمزة نمرة ببعض التدقيق تجده قد وصل لمرحلة من النضج تؤهله لأن ينافس على قمة المشروعات الموسيقية الموجودة حالياً رغم معاناة البدايات التى ظل خلالها صامداً لا ينقصه إصرار على فرض مشروعه ليثبت بألبوم بعد الآخر أنه لم يخض يوماً تجربته عبثاً، وإنما قدرته على تحديد الأهداف منذ البداية والسعى لتحقيقها مع بذل الجهد فى ترسيخ أفكاره والصبر على قدرة المتلقى على استيعابها بجانب الهبة الربانية من حلاوة الصوت، كانت كلها معطيات أدت فى النهاية إلى حل المعادلة الأصعب التى تتلخص فى «النجاح بالمشروع»، وليس الوصول إلى نجومية زائفة قد تختفى بمرور الوقت.
المشروع الموسيقى لحمزة نمرة يجمع بين سطوره عدداً من السمات التى كوَّنت طابعه، ومنها القيمة الفنية من خلال الرسالة التى تحملها أغنياته؛ فقد اختار عدم التقيد بالغناء لنوع واحد من العاطفة، وهى علاقة الحب بين الرجل والمرأة وما تحمله من متناقضات «شوق.. هجر.. عتاب.. غيرة» وما إلى آخره من تلك القوالب؛ إنما اختار لنفسه عالماً أكثر رحابة من تلك العاطفة ضيقة الأفق، فاختار أن يغنى للمشاعر الإنسانية بشكل أشمل، وهو الأمر الذى ربما كان الأصعب منذ بداية المشروع لعدم اعتياد الجمهور على تلقّى مثل تلك الموضوعات فى الأغانى، وهو الذى ظل لسنوات طويلة حبيساً للشكل التقليدى للأغنية العاطفية، كل هذا مع قدرته الكبيرة موسيقياً على المزج ما بين الموسيقى الشرقية والغربية بشكل سلس وبدون تغول أىّ من الشكلين على الآخر، فهو لم يقم يوماً بمجرد جمع الأشكال الموسيقية الغربية مثل «الروك.. الموسيقى اللاتينية.. الجاز» على سبيل المثال ومزجها مع الألحان الشرقية من أجل الاستعراض، إنما تجده فى كل أغنية يحرص على اختيار شكل الموسيقى القادر على خدمة فكرة الأغنية، فمهما وصلت الموسيقى أو الآلات الغربية المستخدمة فى الأغنية إلى ذروتها، تجدها فى لحظة تحولت إلى «ستارة خلفية» لآلات شرقية مثل «العود والناى» مع أول جملة لحنية تحمل شجناً أو حزناً دون الإخلال بالإطار الموسيقى العام للأغنية، وهو ما يؤكد تمسكه بشرقيته الموسيقية مع انفتاحه الشديد على الغرب وموسيقاه، وربما هذا هو سر المشروع الغنائى لحمزة نمرة، وكل تلك التفاصيل لا يخرج هو لشرحها للمتلقى وإنما هى الخلطة الموسيقية التى حافظ عليها منذ بداية مشروعه، والتى تسببت فى ترسيخ مبدئه الموسيقىّ الأهم «النجاح بالمشروع».

