مقاربات تأصيلية في فن الخط العربي
31 أغسطس 2025 , 10:10م
من أهم معايير استدامة الحضارات عبر التاريخ رسوخ القيم الأخلاقية في بنيانها، وهذه القيم تتجلى في مظاهر مادية ومعنوية، من بينها النقوش والرموز التي تخلد المعاني. غير أن الحضارة الإسلامية تفرّدت بشاهد حضاري فريد هو الخط العربي، الذي لم يكن مجرد وسيلة تدوين، بل فن بصري يعكس روحًا حضارية تنشد الاتزان، وتُعلي من شأن الجمال المنضبط. ففي انحناءات الحروف واستقامتها، في توازنها وتناسقها، تتجلى قيم مثل الصبر، التواضع، الإتقان، والاحترام.
من منظور تأصيلي، يرتبط الخط العربي بالقيم الأخلاقية ارتباطًا وثيقًا، بدءًا من النص القرآني الذي رفع من شأن القلم، كما في قوله تعالى (الذي علّم بالقلم)، وقسمه به في سورة القلم (نٓ والقلم وما يسطرون) والتي ذهب بعض اهل التفسير فيها الى أن (ن): تعني الدواة التي يوضع فيها الحبر، ثم يأتي الوصف الإلهي للنبي محمد ﷺ في ذات السورة: (وإنك لعلى خلق عظيم)، ليؤكد العلاقة بين الكتابة والأخلاق. ومما يُروى عن ابن عباس قوله: (أن أول ما خلق الله هو القلم)، مما يضفي عليه بعدًا قدريًا وروحيًا.
ثم يأتي استخدام الخط العربي تاريخيًا في كتابة القرآن الكريم، مما أكسبه قدسيةً وأخلاقيةً خاصة. كما ان وجود الخط العربي في المساجد والمدارس والمخطوطات كان وسيلة لنقل الحكمة والأخلاق عبر العصور. أضف الى ذلك ان التاريخ يخبرنا ان الخطاطين التقليديين كانوا يتعلمون الخط ضمن منظومة تربوية تشمل (الأدب، السلوك، واحترام المعلم) وكان يُشترط في الخطاط أن يكون صاحب خُلق، لأن الخط يُعبّر عن النفس. هذا فضلاً عن ان بعض العلماء كانوا من الخطاطين البارعين في زمانهم فأكسب ذلك الخط هذه القيم الأخلاقية. ولا ننسى ان الخطاط يجب ان يتحلى بالصبر حتى يخرج عمله متقناً فهنا نجد كذلك قيمتين هما الصبر والإحسان وهي من صميم الاخلاق والقيم الإنسانية.
وعلى امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية لمعت أسماء لم يخبُ ضوؤها عبر التاريخ في فن الخط العربي فنجد ابن مقلة وهو من مؤسسي خط النسخ وابن البواب الذي طور خطي النسخ والثلث ولا ننسى هنا ياقوت المستعصي الذي كان مبدعاً في النسخ والثلث والريان وصولاً الى الشيخ حمد الاماسي مؤسس المدرسة العثمانية في الخط العربي ومن المعاصرين هاشم البغدادي وشيخ الخطاطين حسن جلبي وصولاً الى الشيخ عثمان طه أبرز الخطاطين في عصرنا الحالي والذي خط القرآن الكريم كاملاً 12 مرة والقائمة تطول.
وإذا ذهبنا بنظرة للواقع والمستقبل نجد ان كل هذا الإرث والتراكم الحضاري يجعل الخط العربي مؤهلاً لتعزيز حضوره عالمياً باعتباره رمزاً للهوية الحضارية حيث يحمل في طياته اللغة العربية، مما يمنحه بُعداً روحياً وثقافيا عميقا.
كذلك استخدام الخط العربي في الفنون والعمارة والمنتجات الثقافية يعزز الهوية البصرية. وهو كفن متفرد يعتبر قابلاً للتصدير حيث أصبح الآن حاضراً في التصميم وعالم الموضة، وهناك علامات تجارية عالمية صارت تستخدم الخط العربي في الترويج لمنتجاتها مما يفتح الباب لتصديره كعنصر تصميمي عالمي.
ومن المبادرات الواعية التي تجسّد هذا التلاقي بين الفن والقيم في وقتنا الحالي، تأتي «جائزة الأخلاق: المسابقة الدولية لفن الخط العربي» التي أطلقتها وزارة الثقافة القطرية بالشراكة مع منظمة الإيسسيكو، وتُختتم فعالياتها في التاسع من سبتمبر بالعاصمة القطرية الدوحة. هذه المبادرة في تقديري ليست مجرد مسابقة فنية، بل هي دعوة لاستحضار روح الخط العربي بوصفه فنًا أخلاقيًا، وجسرًا يربط الأصل بالعصر، ويُعيد الاعتبار للحرف كوسيلة لنقل القيم، وتشكيل الوعي، وتجميل الحياة. إنها لحظة تأمل في قدرة الحرف العربي على أن يكون حاملًا للهويــــــة، وناقلًا للرسالــــة، ومُجسّدًا للأخلاق في أبهى صورها.
E mail: arakidoha@yahoo.com

