يطرح الفنان والناقد والجمهور في كل مرحلة من مراحل تطور الفن سؤالاً جوهرياً هو: ما هو الفن؟ لكن هذا السؤال لم يعد كافياً في عصرنا الراهن. لقد أصبحنا أمام سؤال أعمق وهو: كيف يمكن للفن أن يكون؟ ومتى يكون العمل الفني «فعلاً» وليس فقط «شكلاً»؟ إذ تبدأ الرحلة من الفن التشكيلي الكلاسيكي إلى ما نُسميه اليوم «فنون التجهيز» أو Installation Art، وهي ليست مجرد تقنية جديدة، بل تحوّل في البُنية المفاهيمية للفن ذاته، وتبدّل جوهري في العلاقة بين العمل الفني والمُتلقي، وبين الذات المُبدعة والفضاء العام. وحتى الفن الرقمي القائم على أهمية فنون التجهيز فماذا عن فن التجهيز من التمثيل إلى التجريد؟
ظل الفن التشكيلي، عبر قرون طويلة، رهيناً لفكرة «التمثيل»؛ تمثيل الجمال، أو تمثيل الطبيعة، أو تمثيل المشاعر. وفي اللحظة التي خرج فيها الفن من قيد المحاكاة إلى فضاء التجريد، كان ذلك إيذاناً بثورة داخلية، تفكك فيها الشكل لحساب الرؤية، وانهار فيها الكادر الكلاسيكي أمام حيوية الخط واللون والمساحة الحرّة. غير أن هذا التغيير، رغم عمقه، ظل يعمل داخل إطار «اللوحة» أو «المنحوتة» ككيان مكتفٍ بذاته. بمعنى آخر: ما زال هناك «عمل» و«مُشاهد» يقف أمامه. لكن فن التجهيز: كسر الإطار، إشراك الحواس، استدعاء الذاكرة.
ظهر فن التجهيز في النصف الثاني من القرن العشرين كأحد أشكال رفض القوالب الجاهزة، ومحاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين الفن والعالم. لم يعد الفنان يعرض عملاً «مكتملاً»، بل يخلق تجربة، يدخل فيها المتلقّي إلى قلب العمل، وقد يصبح جزءاً منه، أو ربما امتداداً له. فقد تلاشت الحدود بين الفنون، ولم يعد العمل الفني حبيس قاعدة أو إطار فهو أحد أهم أشكال التعبير الفني تعقيداً وجرأة، فهل يضع هذا الفن المشاهد في قلب الفعل الفني أم على هامشه؟
فن التجهيز يرفض مفهوم «القطعة الفنية»، ويستبدله بمفهوم «الحدث البصري»، إنه ليس شيئاً نُعلقه على الجدار أو نضعه على قاعدة من الرخام، بل حدثاً نعيشه. قد يكون صوتاً، رائحة، خامة، ظلالاً، ممراً، غرفة، خراباً، حقلاً من الحديد الصدئ، أو حتى خريطة محروقة. كل شيء ممكن، لأن ما يهمّ ليس «الشكل»، بل السياق والمعنى والانفعال.
إذا كان الفن التشكيلي يُعنى غالباً بـ«الجمالية» (Form & Composition)، فإن فن التجهيز يُعنى بـ«الزمن والفضاء والتجربة». ويقول روبرت سميث ساخراً عام 1993: «يبدو أن فن التركيب هو الوسيط المفضّل للجميع هذه الأيام». فهل يوحي هذا بأن هناك موضة في الفن وفي كل عصر يظهر نوعا جديدا يكسر الرتابة ويجعلنا ننتقل من المشاهدة إلى اختبار الأحاسيس؟ فهل هذا يجعلنا نسقط في فخ العشوائية والغرق في التفكيك دون أن نقترح رؤية بديلة أو تجربة ذات مغزى؟
الجمال هنا لم يعد هدفاً، بل نتيجة جانبية محتملة. والعمل الفني ليس للعرض، بل للتفاعل، للتساؤل، للصدام أحياناً، وربما للانزعاج المقصود. فهل فن التجهيز يحرّر الفنان من أدواته التقليدية، ويمنحه حرية استخدام أي شيء الأسلاك، الضوء، الرمل، الفيديو، الصوت، القمامة، أو حتى الصمت؟
في هذا الفن، كل خامة قادرة على حمل دلالة، وكل مساحة يمكن أن تتحوّل إلى سؤال مفتوح. بين الفن والحياة: هل يمكن للعالم أن يصبح عملاً فنياً؟ وهل فن التركيب في جوهره هو رؤية فلسفية ورهان على الحضور البشري ؟ أم هو دعوة لإعادة بناء علاقتنا بالحياة عبر الفن، لا في صورة، بل في فضاء نعيش فيه، ونتحرك داخله، ونتحوّل بفضله؟
ربما ما يميّز فنون التجهيز أكثر من غيره، هو قربه الشديد من الحياة اليومية. فهو لا يسعى إلى خلق عالم موازي، بل إلى إعادة تأطير العالم نفسه. غالباً ما يحمل العمل بُعداً سياسياً، اجتماعياً، بيئياً، أو وجودياً. إنه فن يطرح الأسئلة بدلاً من تقديم الإجابات. فن يوقظ لا يُطمئن، يزعج لا يُجمّل، يشكّك لا يؤكّد. وهو في هذا المعنى، يُعيد إلى الفن وظيفته الأصلية كوسيلة للتأمّل في الإنسان، لا كوسيلة للزينة.
بالنهاية ليس هناك انتقال حادّ بين الفن التشكيلي وفنون التجهيز، بل هناك جسر ممتد من الرؤية نحو التجربة، من الإدراك البصري إلى الانغماس الكامل. وقد لا يكون «فن التجهيز» هو المستقبل الوحيد للفن، لكنه بالتأكيد أحد أبرز معالم هذا المستقبل؛ حيث يلتقي الفن بالعلم، والتكنولوجيا، والفلسفة، والسياسة، والذاكرة، والحواس، وحتى بالحلم…
في زمن الصورة المتدفقة والمعلومة الفورية والسطحيات الجمالية، ربما لا نحتاج إلى لوحة جميلة بقدر ما نحتاج إلى عمل فني يخاطب وعينا، يستفزّ أسئلتنا، وربما يهزّ قناعاتنا. فهل نحن مستعدّون فعلاً لأن نكون جزءاً من العمل الفني، لا مجرد متفرّجين؟

