بغض النظر عما يصرح به للإعلام، فإن خبراء الفضاء الأميركي يرجحون أن هناك عاملين رئيسين حقيقيين وراء قرار إيلون ماسك التراجع عن فكرة “غزو المريخ” أو تأجيلها لأعوام، وهما: الأول وصول جاريد أيزاكمان إلى رئاسة “ناسا”، وهو ما يعني استعادة الوكالة لدورها المركزي في الفضاء الأميركي من جديد، خصوصاً بعدما أقر الكونغرس الأميركي كثيراً من مهامها وبرامجها العلمية التي حاول الرئيس دونالد ترمب حذفها نهاية العام الماضي، ولكنه فشل في ذلك. أما العامل الثاني فهو إعلان “بلو أوريجن” وقف رحلاتها السياحية لأعوام مقبلة بهدف التفرغ لسباق “غزو القمر”. علماً أن “بلو أوريجن” التي يملكها جيف بيزوس تحالفت مع “ناسا” ضمن هذا السباق ضد ترمب وماسك.
نقد شديد واستهزاء
وتعرض إيلون ماسك لنقد شديد وسخرية كبيرة من جمهور الفضاء الأميركي على بعض المواقع العلمية. وذلك بعد إعلانه أخيراً التراجع عن فكرة استيطان المريخ والتوجه نحو القمر. وبرر أغنى رجل في العالم ذلك بذرائع وصفت بـ”الواهية”، علماً أنه وقبل ما يزيد على عام (13 شهراً بالتحديد)، أكد أن “سبيس أكس” ستتجه “مباشرة إلى المريخ”، معتبراً توجه “ناسا” إلى القمر “مشتتاً للانتباه”. والمشكلة الأكبر التي وقع فيها ماسك هذه المرة أنه صرح مراراً وتكراراً، أن تأسيس شركة “سبيس أكس” خلال عام 2002 كان لهدف أساس هو المساعدة في استيطان الكوكب الأحمر.
ترتيب المشهد من جديد
القمر الآن هو الوجهة الوحيدة أمام جميع شركات الفضاء الأميركية والعالمية، الخاصة منها والعامة. وهذا يعني تزاحم شركات الفضاء في المدار القمري أكثر من أي وقت مضى. وبناءً على تصريحات ماسك الأخيرة، يجب إعادة رسم مشهد الفضاء الأميركي، بشقيه الحكومي والخاص من جديد. وضمن هذا السياق، يجب مراعاة جانب آخر هو احتدام السباق الفضائي مع الصين تحديداً، التي أعلنت أنها ستصل القمر عام 2030.
مدينة على سطح القمر
تحت عنوان “مدينة على سطح القمر، لماذا حولت ’سبيس أكس‘ تركيزها بعيداً من المريخ؟” وضمن أخبار الفضاء العالمية كتب “مايك وول”، مقالة نُشرت قبل أيام قليلة قال فيها إن “الأمر كله يتعلق بالسرعة، ومخاوف إيلون ماسك من الكوارث”. وقال وول “كثيراً ما كان تركيز إيلون ماسك منصباً على المريخ”. ويضيف “صرح أغنى رجل في العالم مراراً وتكراراً بأنه أسس شركة ’سبيس أكس‘ عام 2002 بهدف أساس هو المساعدة في استيطان الكوكب الأحمر، بل إن موقع الشركة الإلكتروني يبرز المريخ في صدارة اهتماماته، موضحاً لماذا يعد هذا الكوكب، وهو رابع أقرب جرم سماوي إلى الشمس، أفضل هدف للاستكشاف البشري والتوسع في الكون”.
ماذا حدث بعد ذلك؟
خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، فاجئ ماسك الجميع بإعلانه رسمياً أن شركة “سبيس أكس”، “تركز الآن خططها للاستيطان على القمر، في الأقل خلال المدى القريب”. وكتب الملياردير، يوم الأحد الثامن من فبراير (شباط) الجاري، عبر منصة التواصل الاجتماعي “إكس”، “لغير المطلعين، حولت شركة ’سبيس أإكس‘ تركيزها بالفعل إلى بناء مدينة متنامية ذاتياً على سطح القمر، ويمكننا تحقيق ذلك في أقل من 10 أعوام، بينما سيستغرق الأمر أكثر من 20 عاماً للوصول إلى المريخ”. وأضاف ماسك “تبقى مهمة ’سبيس أكس‘ كما هي، توسيع نطاق الوعي والحياة كما نعرفها إلى النجوم. إذ لا يمكننا السفر إلى المريخ إلا عندما تصطف الكواكب كل 26 شهراً (مدة الرحلة ستة أشهر)، بينما يمكننا الانطلاق إلى القمر كل 10 أيام (مدة الرحلة يومان). وهذا يعني أننا نستطيع إنجاز مدينة قمرية بوتيرة أسرع بكثير من مدينة مريخية”.
مبررات واهية
وكتب ماسك محاولاً تبرير قراره بصورة عملية بعيداً من حسابات الربح والخسارة المالية “يعود هذا التغيير في الأولويات إلى مخاوفي من أن كارثة طبيعية أو من صنع الإنسان قد توقف وصول سفن الإمداد من الأرض، مما قد يؤدي إلى انقراض المستعمرة. يمكننا جعل مدينة القمر مكتفية ذاتياً خلال أقل من 10 أعوام، لكن المريخ سيستغرق أكثر من 20 عاماً نظراً إلى دورة التطوير التي تبلغ 26 شهراً، هذا هو الأهم”. وضمن هذا السياق أضاف ماسك “بمجرد الوصول إلى هناك، سيصبح من الممكن إنشاء وجود دائم للأنشطة العلمية والصناعية”، ويمكن للمصانع الموجودة على سطح القمر الاستفادة من موارد القمر لتصنيع الأقمار الاصطناعية ونشرها في الفضاء، “وباستخدام محرك الكتلة الكهرومغناطيسي والتصنيع القمري، من الممكن وضع ما بين 500 إلى 1000 تيراوات/سنة من أقمار الذكاء الاصطناعي في الفضاء السحيق، والارتقاء بصورة ملحوظة بمقياس “كارداشيف”، وتسخير نسبة كبيرة من طاقة الشمس لصالحنا”.
ما مقياس “كارداشيف”؟
وفق الموسوعة العلمية الأوروبية يُصنف مقياس “كارداشيف”، الذي سمي على اسم العالم السوفياتي الذي ابتكره عام 1964، الحضارات بناءً على كمية الطاقة التي يمكنها التحكم بها وتجييرها لصالحها، إذ تستطيع حضارة من النوع الأول تسخير كل طاقة كوكبها الأم لصالحها، فيما تستطيع حضارة من النوع الثاني أو الأعلى شأناً استغلال كامل طاقة نجمها، وذلك عبر فكرة “كرة دايسون” التي لم تطبق أيضاً إلى الآن. أما حضارة من النوع الثالث وهي الأكثر تقدماً وفق هذا المقياس فيُمكن أن تتحكم في طاقة مجرتها كاملة، علماً أن البشرية لم تصل حتى الآن إلى النوع الأول من تلك الحضارات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعليق من “مزارع البطاطا”
تحت اسم مستعار علق واحد من جمهور الفضاء الأميركي على خبر تأجيل غزو ماسك للمريخ، الذي نُشر على موقع علمي بارز، قائلاً إن “الحقائق الأساس مثل الوقت، والمسافة، ومواعيد الإطلاق، واللوجيستيات، للبدء بالقمر قبل المغامرة بالمريخ مفهومة جيداً منذ أكثر من 50 عاماً”. ويضيف المعلق “كنت أفهم ذلك وأنا صغير، لكن كيف لم يدرك ماسك هذا إلا الآن؟”. ويؤكد “مزارع البطاطا” أن ماسك في الحقيقة استغل “المريخ” لجذب رؤوس الأموال، لكنه الآن يرى فرصاً حقيقية للاستثمار في القمر، وأنه “إذا استمر في تفجير المركبات الفضائية على منصة الإطلاق فسيكون من الأذكى لوكالة ’ناسا‘ استخدام صاروخ يعمل بالفعل، ففي النهاية هو يهدر أموال دافعي الضرائب على منصة الإطلاق لا أكثر”.
القمر كومة من التراب
أما “فريدي ويليمز” فكتب بشيء من الغضب معلقاً على الخبر ذاته، “حسناً قد نتمكن من إنجاز ذلك، ولكن مَن يرغب في العيش في بيت يستخدم هواءً وماءً مُعاد تدويرهما ويتعامل مع الإشعاع الكوني والشمسي؟ فجسم الإنسان مصمم لتحمل جاذبية الأرض. لكن العيش على القمر والمريخ ستكون له عواقب وخيمة. وفي النهاية، مَن يرغب في النظر إلى كومة من التراب؟”. ويختم فريدي تعليقه قائلاً “يا رجل، سأصاب بالجنون والاكتئاب بسبب هذه الأخبار”. أما معلق آخر باسم ” إريك” فقال إن “المريخ حالياً خارج نطاق إمكاناتنا التقنية”، ثم وجه حديثه إلى ماسك مباشرة قائلاً “لا تبع النبيذ قبل أوانه”.
وجاء ضمن تعليق من “بولي هوت”، “لئلا ننسى، خلال عام 2020 أكد الرئيس التنفيذي لشركة ’سبيس أكس‘ إيمانه بالمهمة، قائلاً إنه واثق للغاية من أن الشركة ستهبط بشراً على سطح المريخ بحلول عام 2026. كما قال ماسك، متحدثاً ضمن بث مباشر لحفل توزيع جوائز من برلين، ’إذا حالفنا الحظ،. سنرسل مركبة غير مأهولة إلى هناك في غضون عامين أو ربما خلال أربعة أعوام‘”. وأضاف هوت ساخراً، “المريخ؟ أي مريخ؟ ههه؟ ماسك يكذب على الجميع”.
براعة ماسك في الحفاظ على متابعيه
في مجموعة أخرى من التعليقات انتقد جمهور الفضاء الأميركي الجانب التسويقي والربحي الذي يسير عليه ماسك منذ عقود. وكتب معلق تحت اسم “جون ناسي”، “يظهر إيلون مرة أخرى براعته التجارية. ومرة أخرى، ينجح في الحفاظ على متابعيه المعجبين به من خلال تشتيت انتباههم ببراعة عن فشل فكرته التي روج لها لعقد من الزمن، إذ توقع الوصول إلى المريخ بحلول عام 2026، أو ’2024 إذا حالفنا الحظ‘”.
بينما قال آخر موجهاً انتباهنا إلى الاعتناء بكوكب الأرض بدلاً من غزو الفضاء السحيق، إن “القمر خال من الموارد التي يسهل الوصول إليها، إنه صحراء من الغبار الحاد”. وأضاف مخاطباً الشركات التي تتنافس في غزو النجوم، “أثبتوا ذلك ببناء قاعدة مكتفية ذاتياً في القطب الجنوبي أولاً، في الأقل لن تواجهوا مشكلات الوقود والهواء”.

