«أثيري».. معرض يحتفي بالألوان وطقوس الجسد
القاهرة – بوابة الوسط الجمعة 10 أكتوبر 2025, 07:55 صباحا
تحت عنوان «أثيري» استضاف رواق دار الفنون، السبت، المعرض الشخصي الأول للفنانة التشكيلية مريم الصيد، المعرض ضم مجموعة من الأعمال الحديثة تحتفي بالألوان والشخوص.
خلفية عنوان المعرض «أثيري» تنهض على رؤية علمية فلسفية حيث برز الأثير كمصطلح ثم كنظرية حاول فيها إسحاق نيوتن تفسير خاصية الوسط الناقل للموجات، ومنه انتقل لحقول الفلسفة والفن ليصبح صيغة للتعبير عن الفن كوسط وأثير روحي يعيد باستمرار صياغة ومعالجة متغيرات الواقع ويمنح المخيلة رؤية متجددة لمخاطبة المتلقي الهدف الرئيس في كل محطاته.
هذه الإشارات كانت الرؤية التي انطلقت منها الفنانة مريم الصيد لتدشين معرضها الأول، فعبر الألوان والجسد، وروح الأنثى المبثوثة في معظم لوحاتها تحاول الفنانة لفت الانتباه إلى خطاب داخلي يختزل تساؤلات الكينونة الإنسانية عن الحياة والنجاح والإخفاق، والسعادة والألم.
معاني في لوحات الصيد
في إحدى اللوحات تتجاور سيدتان تمضيان في ممشى بلا ملامح، وكذا تغيب ملامحهن المشتبكة مع سحب الألوان وهي تكتسح المحيط، حيث ترسم حدود الألوان معالم الأجساد وهي تنطلق في اتجاه متعاكس، ويبقى السؤال أي سؤال يلتقي بأستار الذوات السابحة في الضباب؟ حتما يقودنا المشهد إلى نزوع ونفور من الغموض الجائل بسطوة على الأجساد، لكنها الأنثى سيدة حالات الفصول الأربعة، متوجة بمزاج دهري متواصل، يجبرنا على التوقف والنظر إلى دلالات المشهد لا مظاهره الفيزيائية.
– للاطلاع على العدد «516» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
تقدم لنا اللوحة بمرموزها العام صورة مقطعية لأثر البيئة المجتمعية على المرأة، وكيف يجري النظر إليها ككائن فيزيائي لا روحي، كما يبرز عنصر الألوان جحافة الحياة وسرديتها الدافعة لأن تكون المرأة داخل هذا المربع أو ذاك.
في لوحة أخرى نلحظ أربع نساء يجلسن في أوضاع مختلفة تغلفهن هالة لونية مخضبة بين الأزرق والأحمر الخفيق، آياد وأرجل في وضع انكماش، ورؤوس هائمة في العدم، حيث تتجاذب الألوان مشاعر الأجساد الغارقة في السكون، إذ تبدو مذبذبة الميول ومشتتة التفكير بين الذهاب إلى فضاء الصدام والألم في الأحمر، أو البقاء في كنف الانتظار تحت رعاية الأزرق، التماسا لأمل يلوح في الأفق.
الاحتجاج في وجه المجتمع
إن الأنثى في ممشاها وجلوسها في اللوحة، لا تبحث عن الخلاص كيفما كان دون اعتبار لكينونتها كإنسان وإنما تحاول في هذا النماذج الشبيهة بالأشباح الاحتجاج في وجه المجتمع الذي يفضل النظر إليهن كمتعين مادي، والفنانة هنا ترى في هذه الصيغة عصفا نفسيا شوه ولا يزال أسس التعامل مع المرأة ككائن له أفكاره وأحلامه ووجهة نظره في الحياة، كما يمنع هذا العصف النظر إليها كشريك يمتلك ملكة النقد والرأي، لذا ظلت هذه الصورة مرحلة في أدبيات الشعر والسرد رغم قدمها تذوب في أنساق ثقافية عديدة وتتشكل بحسب التقاليد وطبيعة المزاج المجتمعي.
في زاوية أخرى تنحو أجساد ثلاثة إلى الاقتراب من بعضها يطغو فيها مظهر الرؤوس على باقي الجسد، ولكن دون ملامح أيضا، وكأن القوة القاهرة التي جعلت الأجساد في تلك الحالات خاضعة لقاموسها تؤكد في هذا النموذج سطوتها المتوحشة على حدود حركة لا يجب أن تتعدى شروطها، فهي تمرر ما تسمح به في حدود ما يخدم نظامها.
– للاطلاع على العدد «516» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
في نص لوني يتجاوز سردية العدم تظهر أخيرا ملامح امرأة على استحياء تتوشح فيها الألوان كأقواس من طيف حروفي، تستنهض فيه روح التعبير عن مكنونها الأنثوي ولو بدفقة خفيفة من الإشارات الساكنة، فهي تحاول إيجاد مساحة لها داخل مفازات من الموانع العرفية التي تتراجع في هذه اللوحة قليلا لصالح التعبير ولو قليلا عن خصوصية حواء.
المزج بين الثقافتين الليبية والروسية
وبذا سنلحظ في لوحات مجاورة تمظهرات مختلفة للجسد وهو يحتضن البعد الجمالي عبر رقصات الباليه حيث تستحضر الفنانة ملامح من منابتها الثلجية (موسكو) كنقطة مرجعية لتقييم خط التجربة وربط مسارها المازج بين ثقافتين الأولى تمثل مهد الطفولة والثانية مرحلة التجريب، وكذا فالأولى تمثل مسقط الرأس ومجموع الإرهاصات المشكلة لوعيها بالألوان والحياة والتي ستمتزج لاحقا بالمعرفة عبر الجامعة ثم من خلال دراستها لفن التصميم والزخرفة، وهنا تحاول في كل مرة اكتشاف ذاتها وصياغة حياتها الفنية الوليدة وصولا لمعرضها «أثيري».
المعرض يحتفي بالألوان وصخب الجسد الذي يحاول في جل أوضاعه الإفلات من شباك الواقع المشبع بالتابوهات والسفر داخليا نحو تخوم الذات بحثا عن حياة بديلة رفقة ما تبقى من أرصدة الحلم.
إحدى اللوحات الموجودة في المعرض، 4 أكتوبر 2025. (الإنترت)
إحدى اللوحات الموجودة في المعرض، 4 أكتوبر 2025. (الإنترت)
إحدى اللوحات الموجودة في المعرض، 4 أكتوبر 2025. (الإنترت)

