بيروت – «القدس العربي»: قفلت الستارة بعد تصفيق حاد ترحيباً بالعرض وبمؤدييه القديرين. ويبدأ الجمهور بالمغادرة في مسيرة تتهادى من عبء الحال التي نحن عليها. مسيرة سلالم يتخللها عصف من الأراء، كلٍ مع صحبه، ومشاعر وأسئلة واستنتاجات. منها كم نحن فاعلون سلبيون بحالنا وبوطننا. وكم نحن مفعول بنا سياسياً وانسانياً وقيمياً. منّا من يقوى على التوصيف الحقيقي معلناً التصدي لـ»دود الخل». ومنّا الراضي المستسلم تحت شعار «شو طالع بإيدنا».
«إنتاج محلي» عرض مسرحي لمارك قديح يُشبه الخلاصة المُكثّفة جداً، جمع خلاله ما يشبه دهراً من التخفي خلف الإصبع، وتعليق قضايانا الإشكالية على شمّاعة الغير. فإذ بالانكسارات الداخلية للأفراد تستوطن الذات. وتتحول إلى ولاّدة نشِطة، بحيث يصحّ ما كُتِبَ على افيّش في صدر المسرح ويعود لمسلسل «صراع العروش» طريقة للموت في بيروت».
تكثيف نادر لحكايات ووقائع لبنانية مؤلمة. حكايات جمعتها خيوط مع محيطنا العربي، بتوصيف شديد التعبير، وبليغ الدلالات. وجمعتها عناوين مختارة من مؤثرات عالمية تُحسن الطرْق المتكرر على مفاهيم محددة، بقصد تحويلها إلى اسلوب حياة. عناوين يُصنّفها مبتكروها في خانة حقوق الإنسان.
مارك قديح، الكاتب والمخرج العائد إلى المسرح بعد استراحة امتدّت 20 سنة، حجز لعودته مكانها المرموق جداً ضمن سياق الأعمال المسرحية الجادة والمؤثرة. عبّر في نصه المحبوك بخبرة ودراية، وبنظرة شبه شمولية، عن الهواجس التي يرددها المواطنون ليل نهار. في هذا النص كان للاستنتاجات والخلاصات موقعها السريع، بحيث حاذرت وبدقة تحّولها إلى مصيدة تستجلب التصفيق.
أن يُستذكر تفجير المرفأ، بحيث انتفض جزعاً بعض الحضور على وقعه، ليس من باب استجلاب العطف والتأييد للحظات طالت بشظاياها كافة اللبنانيين. فحلّ العشرات شهداء وحّدتهم بالدماء جريمة العصر. وشهود جرحى بالمئات، ما زالوا يحملون آلامهم في مواجهة عجز مقصود عن تحديد القاتل. اُستعيد تفجير المرفأ للدلالة على حسن إدارة البلاد أمناً، وقضاءاً، وسياسات.
في اختصار لسيرورة «إنتاج محلي» دون كثير دلالات، حفظاً لحق كل متفرجّ جديد بالاكتشاف المنتظر من كل عرض مسرحي، فان مارك قديح أراد لنصه أن يُحلّق مع بعض الخيال بعد انغماس في عمق الواقع، المبكي والمضحك في آن. اختار أن يحمّله لشخصيتين «منتج وكاتب دراما». وبينهما سرح النص بين الفانتازيا والحقيقة. حلّل دوافع هذه أو تلك من المنصات المرئية، وترويجها المفتعل لما يُسمى «حرية الجندر».
وفي مقاربة «إنتاج محلي» للواقع اللبناني من خلال حلول الفانتازيا التي يبتكرها الكاتب الدرامي، تمثّل بسرعة الإيقاع، سواء في السياسية، أم في السلوكيات الإنسانية، وبعضها بات خاصية لبنانية مزدهرة.
نسج مارك قديح لبعض معضلاتنا حلولاً يصحّ وصفها بالدموية. وبالتأكيد منطلقها ذاك العجز الذي يشعره كلٍ منا حيال دولة عميقة، فاسدة ومفسِدة تتحكّم بنا. والنار التي أشعلها دون قصد «أبو جوزف في القبيات» وتمددت إلى خارج الحدود، وكان لها قدرة التواصل مع صوت الـ»درون» الذي كتمه اقفال النافذة في بداية العرض، وفُتح عليه مجدداً في نهاياته. «نحنا النفس ونحنا النار.. ونحنا الهوا اللي بينفخا».
بين إحساس فكاهي يُنشر بين مفاصل عرض «إنتاج محلي»، ودراما مغرقة تحوِّل «الحياة مسرحية… ونحنا مشاهدين» حلّ القرار المفاجئ. طالما «الدول بتلعب فينا ونحنا عم نرقص ع طبول الحرب».
عرض لعبه عمّار شلق ويوسف الخال بجدارة، وكان اختيارهما موفقاً جداً. وتميز النص بلغة الحاضر الذي يحكيه الجيل الشاب. وفي السياق المعاصر والحديث نفسه كان حال الخشبة، إنما الإيقاع السريع للشخصيتين صوّب التركيز على حركتهما النشطة وحوارهما المتصاعد.
«انتاج محلي» ما زالت تُعرض على مسرح الإليزية/ بيروت، ونأمل أن يصل مارك قديح ونحن معه بعدها إلى هدفه المتواضع جداً كما يرغب «أن أحصل على بلد طبيعي».

