الباحث والكاتب والناقد شارلي سميا
بالتعاون مع “جمعيّة ومعهد فيلوكاليا” وبرنامجها “دار الميلاد”، أرادت شننعير هذه السنة أن تختار التمّيز الفريد في الشكل والجوهر عبر إستقطابها العالم الموسيقي أجمع إلى مهرجانها الميلادي يوم الأحد ١٤ كانون الأول 2025 حيث إستقبلت داخل “Chateau Rweiss”، “الرباعي روحانا-خليفة” الذين رسموا فسيفساء عالمية الموسيقى، فيها ألوان، أشكال، مربعات، ومستطيلات موسيقية من العالم أجمع، وقطعوا تذاكر السفر للحاضرين على الكراسي بأجسادهم، ثم جعلوهم يسافرون بعقولهم وقلوبهم إلى جميع البلدان.
تخلّل الحفل عشرة أعمال، منها من تأليف الأخوين عياد وساري خليفة والقسم الآخر يعود للمؤلف الكبير شربل روحانا.
بدأ الحفل بميّاس لشربل روحانا التي تتمركز حول “قدك الميّاس” ولكن يحيطها بمقدّمات وجمل موسيقية ترتكز على جو الطرب الحلبي، الأندلسي، العراقي، اللبناني، ولكن محافظاً على لغة ومنهجية العود المتجذرة أكاديمياً داخل فلك التقاسيم والنفحة الشرقية المخيّمة دائماً وأبداً.
المقطوعة الثانية شاش باش (Shesh Besh) للأخوين خليفة، تأتي بالألحان الشعبية التركية أيام السلطنة العثمانية، في ما يُعرف بالموسيقى الكلاسيكية التركية المبنية على تقاسيم مشتركة ما بين العود والتشيلو كثنائي، والبيانو تقسيم مرافق للآلتين.
ثالثاً سوار (Siwar) لروحانا الذي كيفما تأخذه رياح النوتات اللاتينية يُرجعها شرقاً. لاتينية الريتم والموسيقى، لكن مشدودة للعاطفة اللبنانية, ومُهندسة موسيقيّاً بالسرعة، بالنوتات داخل الجمل وطريقة العزف ضمن المنهاج الهندسي للعود.
مونومانيا (Monomania) في الترتيب الرابع لساري وعيّاد خليفة تفرض لغة البوب الأميركي، مع التقاسيم البدوية على التشيلو مُصدراً صوت الربابة الحزين، بالإضافة إلى تقاسيم العود التركية والكلاسيكيّة على البيانو والتشيّلو في القفلات. اللافت هو تكرار الجمل لأكثر من مرة لخلق الريتم الإيقاعي للمقطوعة وترسيخ بساطة النوتات وقربها من السامعين لخلق التفاعل.
صلاة (prayer) لآل خليفة خامساً، هي مقطوعة للبيانو والتشيلو بجمل مختلفة ومتكاملة للآلتين. لغتها الموسيقية هي النيو كلاسيكية بأسلوب المناجاة، مع الانخفاض والإرتفاع في الموسيقى اللذين يعبّران عن الجو الداخلي للمؤمن المصحوب بحرارة الإيمان، مع التنويه بعزف التشيلو لبعض الجمل على الجو الشرقي للتراتيل.
ويعود روحانا في سادس المقطوعات مع الروزانا (Rosana) الفلكلورية في بلاد الشام، مع إعتماد نغمات هارمونية مستوحاة من اللحن الأساسي حفاظاً على جوهرها، فيضيف الجو الإسباني في البداية كلازمة مضافة، ثم ينتقل إلى المغنى، فيجمع المؤلف بلاد الشام وبلاد الأندلس عبر إعطاء اللون الإسباني نفحة بلاد الشام، مع اعتماد إيقاع اللف الإسباني لإمكانية تطبيق المفاهيم الموسيقية.
سابع جدول الحفل، أغنية تركني الليل أيضاً لشربل روحانا, وهي من لون البوسا نوفا (Bossa Nova), مع أبرز الإبداعات لجعل نوتات الجاز اللاتيني ملعباً لتقاسيم العود. الأغنية الثانية أيضاً للمؤلف روحانا أتت ثامناً، هي سلامي معك (Salami Ma3ik) وهي من نمط الكلاسيكي الشعبي اللبناني. مستوحاة من التيمية اللبنانية العامّة وليست من رحم الفلكلور.
التاسعة قبل الأخيرة غالف هوليك (Gulfholic) للثنائي خليفة تبدأ بالجو الخليجي, ثم ينتقل الإيقاع بسرعة متزايدة إلى أجواء الفانك (Funk) والجاز بترابط وسلاسة وصولاً إلى قفلة، وبعدها تتابع إلى الجو المغربي البطيء، ثم الجاز مع تقاسيم التشيلو معتمداً أسلوب الربابة لرعاة الصحارى الخليجيين، مع خاتمة بأسلوب الجاز.
وأخيراً مقطوعة الجذور المشتركة (Common Roots) المبنية على أساس توليفات لأصول مشتركة في الـتأليف الموسيقى أوجدها المؤلف بتركيبة النوتات الواحدة تلو الأخرى مع إختلاف الثقافات ما بين أسبانيا ودول البلقان. فالتنقل ما بين الكلاسيكي الأسباني من روح الكونسرتو دي آرانجويز(Concerto de Aranjuez) للمؤلف الأسباني يواكين رودريغو، مع تغيير المزاج إلى موسيقى غجر البلقان على إيقاع فوكس (Fox) ومن ثم إلى الفلامنكو الذي يصل إلى شواطئ لبنان، يدخل أجواءه، مدنه، وقراه بإيقاع المقسوم.
إن معول روحانا التأليفي والأكاديمي أينما ضرب في أرض الموسيقى، سيستخرج عوداً حاملاً معه مقطوعات عملية وسمعية تزيد من العازفين مهارة ومن السامعين شغفًا وتذوّقاً ومتعة.
كانت أمسية ميلادية بانورامية، موسيقية عالمية، حضارية وثقافية، حيث عمّت الصالة المكتظّة الفرحة والبهجة اللتان فقدهما الجمهور بشكل مستدام في بلدنا المتألّم لبنان. مع التمنيات ل “جمعية ومعهد فيلوكاليا” المزيد من النشاط والحيوية والتقدّم.
|
لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
اضغط هنا

