في هذا الحوار الحصري الذي خص به “الصحراء المغربية”، يكشف الدكتور رشيد بكاج، حامل شهادة دكتوراه الدولة في السوسيولوجيا، وأحد أبرز الأكاديميين المغاربة الذين تركوا بصمة واضحة في مجالي البحث العلمي والتدخل الاجتماعي، من خلال مؤلفه الرائد “سوسيولوجيا الفن: الفن الموضوعاتي المغربي”، الذي تناول فيه موضوع الكارثة فنيا واجتماعيا.
في هذا الحوار يقدم الدكتور بكاج تحليلا عميقا للظواهر الاجتماعية المرتبطة بالكوارث، مستفيدا من تجارب الفن المغربي، مثل أعمال الفنانة مليكة الواد فاض، التي تعتبر من رواد فن الكارثة على الصعيد العربي والأفريقي، ويتناول عالم السوسيولوجيا بدايات اهتمامه بسوسيولوجيا الكوارث، وأسس هذا التخصص، وكيفية تعاطيه مع الظواهر الاجتماعية المغربية المرتبطة بالفيضانات والأزمات، بالإضافة إلى تقييمه لدور السلطات والتدخل الاجتماعي في مواجهة هذه الكوارث.
يعتبر كتابكم المعنون بـ “سوسيولوجيا الفن: الفن الموضوعاتي المغربي”، الذي أصدرتموه بالفرنسية، أول عمل يتناول الكارثة كموضوع سوسيولوجي، هل يمكن أن تحدثنا عن ذلك؟
من الصدف أن الفصل الذي خصصته لموضوع الكارثة في الفن يعالج هذه الظاهرة من خلال تحليل رائعة الفنانة مليكة الواد فاض، وهي ابنة منطقة الغرب، وتعد مؤسسة فن الكارثة على الصعيد العربي والأفريقي بلا منازع، يمكن القول إن أغنيتها تعد وثيقة مرجعية للسوسيولوجيين والمؤرخين والفنانين، لما احتوته من وصف دقيق للفيضانات التي شهدتها منطقة الغرب سنة 2009، وقد قمت بتحليل عملها الفني على المستويين الموسيقي والشعري، ويضم الكتاب كذلك مجموعة من الأعمال الفنية لمبدعين مغاربة آخرين، تناولوا مواضيع قلما تناولها الفنانون في العالم العربي والأفريقي.
يجرنا هذا الحديث إلى سوسيولوجيا الكارثة، بصفتكم سوسيولوجيا مغربيا، كيف بدأ اهتمامكم بهذا المجال؟
اهتمامي بظاهرة الكوارث بدأ منذ جائحة كورونا، وكنت من أوائل السوسيولوجيين الذين تناولوا هذا المجال من خلال مقالات علمية باللغتين الفرنسية والإنجليزية، بعضها متاح على الإنترنت، الكوارث، كمجال سوسيولوجي، لها إطارها النظري وموضوعاتها الخاصة، ويعود ميلاد هذا التخصص إلى بداية القرن العشرين، لكن الانطلاقة الحقيقية لسوسيولوجيا الكارثة كانت عام 1961، مع السوسيولوجي الأمريكي تشارلز فريتز، الذي قدم تعريفا للسوسيولوجيا قائلا إن الكارثة هي:
“حدث محدود في الزمان والمكان، يتعرض خلاله مجتمع، أو قسم مستقل نسبيا منه، لخطر جسيم ويتكبد خسائر فادحة في أفراده وممتلكاته المادية، لدرجة تعطل البنية الاجتماعية ويمنع تحقيق كل أو جزء من وظائفه الأساسية”.
كيف يتعاطى السوسيولوجي المغربي مع الكوارث التي تقع في المغرب؟
للأسف، لا يوجد في جامعاتنا تخصص في سوسيولوجيا الكوارث، كما أننا نفتقر إلى اجازات متخصصة في سوسيولوجيا الفن، وأتمنى أن تتحقق هذه التخصصات مستقبلا، وأن تكون الدراسات والمقالات التي نشرتها، بما فيها هذا الحوار، أرضية لبناء هذا المجال.
لإظهار دور سوسيولوجي الكوارث في السياق المغربي، هناك نقط مهمة:
أولا، من الضروري تعريف الكارثة كمفهوم اجتماعي، ودراسة طبيعة هذه الظاهرة وبنيتها، الكوارث ليست ناتجة عن المخاطر الطبيعية فقط، بل قد تنجم عن نقاط ضعف الأفراد أو الجماعات الاجتماعية، أو عن قصور في أنظمة الحماية.
ثانيا، مهمة السوسيولوجي تكمن في تحليل التغيرات الاجتماعية الناتجة عن الكوارث، من آثارها الفورية على الأفراد والجماعات أثناء الحدث، إلى الهجرة المؤقتة أو اللجوء إلى مناطق آمنة، وما ينشأ عن ذلك من تحولات في البنية الأسرية، كما أن الكوارث تحدث تغيرات في البنى الاجتماعية والديموغرافية، وتترك آثارا اقتصادية وسياسية مهمة.
من المهم جدا فهم آثار الكوارث ضمن سياقها الاجتماعي، لأن هذه التأثيرات لن تكون موحدة بغض النظر عن المكان أو الزمان أو حجم السكان المتضررين، بعد الكارثة، يمر الأفراد بحالة انتقالية تتطلب تدخلا سريعا، إذ قد يفقدون البوصلة مما يؤدي إلى سلوكيات مرضية، لذلك من الضروري دراسة الكوارث ضمن السياق الاجتماعي الذي تحدث فيه.
كيف تنظرون إلى تدخل السلطات المغربية في مواجهة الكوارث؟
الكوارث بطبيعتها أحداث سياسية، وتدار عبر سياسات عامة تعتمد آليات الوقاية والتأهب والتخفيف من آثارها، خلال الكارثة الأخيرة، لاحظنا تعبئة جماعية وثقة كبيرة في الدولة وارتفاع مستوى وعي المواطنين، رغم بعض الردود الفردية التي كانت قليلة التأثير.
إدارة الكوارث تكشف مستوى الحكامة على الصعيد المحلي والإقليمي والوطني، وتوضح المسؤولية عن الوقاية والتأهب والإغاثة، وكذلك من يتحمل تكاليف إصلاح الأضرار، كيفية التعامل مع الكوارث تبين قدرة الدولة على التدخل في الوقت المناسب لتجنب أضرار بشرية جسيمة، وقد تؤثر أيضا على نتائج سياسية أو انتخابية مستقبلية، إدارة الكارثة بفعالية تظهر أن الدولة قادرة على حماية المواطنين والحد من الأضرار، وهو ما يندرج ضمن سياسة الكوارث المدرجة على أجندة الدولة.
صور سوري

