في المشهد المتطور باستمرار للفن المعاصر، نادراً ما تظهر الإنجازات الهامة صدفةً. فهي عادةً ما تكون نتاج عملية طويلة، حيث يلتقي الجهد الفني الجاد بالتفكير التنظيمي الاحترافي، وتُوضع الفردية الإبداعية ضمن بيئة فنية شفافة وموحدة وتحترم القيم.
في مزاد هيليوس الفني الذي أقيم مؤخراً في فندق شيراتون ( هانوي )، حقق العمل الفني “الطموح” للفنان نغوين ثي دونغ رقماً قياسياً جديداً بعرض فائز يزيد عن ملياري دونغ فيتنامي.
هيليوس هو نتيجة تعاون بين شركة تي لينك للاستيراد والتصدير المساهمة وشركة ساو ماي جروب للمزادات – وهما كيانان يعملان في مجالات مختلفة ولكنهما يشتركان في اعتقاد مشترك بأن الروايات الفنية تحتاج إلى أن تكون مدعومة بالاحترافية.
في ظل اندماج سوق الفن الفيتنامي تدريجياً مع المنطقة والمجتمع الدولي، يُعدّ إنشاء فضاء مزادات شفاف وغنيّ أكاديمياً، يُدار وفقاً للمعايير الدولية، أمراً بالغ الأهمية. يُشكّل “هيليوس” ملتقىً للتبادل، كما يفتح حوارات هامة بين الفنانين والأعمال الفنية والجمهور، بحيث يُقدّم كل عمل فني كقصة متكاملة ومثيرة للتفكير.
يضم هذا المزاد 46 عملاً فنياً لتسعة فنانين، خضعت جميعها لبحث دقيق واختيار دقيق وتحليل شامل من منظور جمالي، مما يُتيح لهواة جمع الأعمال الفنية والجمهور فهماً أعمق للقيمة الفنية والإمكانات الكامنة في كل قطعة. كما أن مشاركة فريق من المستشارين القانونيين وخبراء الفن، بمن فيهم الدكتورة لي ثي هوونغ جيانغ – رئيسة قسم تدريب المزايدين في الأكاديمية القضائية ( وزارة العدل )، تُعزز الثقة في شفافية هذا الحدث ومعاييره.

وُلد نغوين ثي دونغ عام 1985، وحصل على درجة الماجستير من جامعة الفنون الجميلة في فيتنام عام 2012، وهو أحد أبرز الشخصيات في جيل الفنانين الفيتناميين الشباب المعاصرين. وسرعان ما اشتهر بين المحترفين والجمهور بأسلوبه السريالي الممزوج بفن البوب، متعمقًا في عالم “الواقعية الذهنية”، حيث تُجسّد كل لوحة من لوحاته أفكارًا داخلية زاخرة بالتأمل والصور المؤثرة.
في عالم الفنون الجميلة، ابتكر نغوين ذا دونغ صوراً قوية ومعروفة، مما يدل على شجاعته في مغادرة منطقة راحته والانتقال بشكل استباقي إلى مراحل جديدة من الإبداع الفني.

شكّلت الرحلة الإبداعية التي خاضها مع سلسلة أعماله “التجربة” نقطة تحوّلٍ هامة في مسيرته الفنية. ففي هذه المرحلة، لم يعد فن نغوين ثي دونغ يكتفي بإبهار المشاهد بالصور، بل تعمّق في بنية الفكر، وفي العلاقة بين الإنسان والطبيعة والوجود. ومن هذا المنطلق وُلد عمل “الطموح”، تتويجًا لجهود فنية دؤوبة وجادة لا تعرف المساومة.
لوحة “الطموح” هي لوحة زيتية على قماش، بقياس 195 سم × 446 سم، أنجزها الفنان على مدار أكثر من عام من العمل الدؤوب. من النظرة الأولى، تُبهر اللوحة بحجمها، وطاقتها البصرية القوية، ولوحة ألوانها النابضة بالحياة والمتناسقة في الوقت نفسه.

تفتح اللوحة فضاءً سرياليًا تنبض فيه النباتات الشائكة كالصبار والأناناس الجنوب أمريكي بالحياة. هذه نباتات تتمتع بقدرات استثنائية على البقاء في ظروف قاسية، لتصبح رمزًا للصمود والمثابرة والقدرة على التكيف مع الحياة. من خلال منظور نغوين ثي دونغ، رُسمت كل تفاصيل الأشواك والأوراق والزهور بدقة متناهية باستخدام تقنيات الرسم الزيتي المتقنة، جامعًا بين الواقعية المفرطة والترتيب الرمزي العميق.
الإضاءة في اللوحة درامية للغاية. يسطع ضوء الشروق والغروب، بألوانه البرتقالية والصفراء الزاهية، مُبرزًا حواف الأوراق ومُحدثًا تباينًا قويًا مع الأرضية الداكنة. يحمل هذا الضوء أيضًا دلالات رمزية: فهو نور الأمل، ونور الولادة الجديدة، ونور التطلع الدائم للارتقاء.

من حيث التكوين، رُتّب العمل بترتيب مدروس، حيث تشغل بقع الأشجار مساحة كبيرة من الإطار، مما يخلق شعوراً بالضيق والحيوية في آن واحد. هذا “القيد” بالذات يُبرز الرغبة في المضي قدماً، وهو استعارة للوجود الإنساني في عالم اليوم المتناقض.
عندما أُعلن عن لوحة “الطموح” في مزاد هيليوس، ساد الصمت أرجاء القاعة. فقد حقق العرض الفائز، الذي تجاوز ملياري دونغ فيتنامي، رقماً قياسياً جديداً في هذا الحدث، كما عكس تحولاً ملحوظاً في نظرة السوق إلى فن الرسم المعاصر. ويعود هذا إلى عملية تراكم القيمة من المسيرة الإبداعية للفنان، والتقييم المهني الدقيق، وعملية المزاد المنظمة تنظيماً محكماً.

بحسب مستشارة الفنون نغيب ثي هاي، الحاصلة على ماجستير في علم الجمال ومحاضرة في جامعة الفنون الجميلة الصناعية، فإن جوهر الإبداع الفني يكمن في العملية التي يعبر بها الفنان عن عالمه الداخلي وأفكاره ووجهات نظره الفريدة من خلال عمله. يقدم كل عمل فني صورة بصرية، وفي الوقت نفسه، هو انعكاس مدروس للمشاعر الداخلية، مستخلص من عمل فني دقيق ومثابرة وجهد دؤوب وبصمة شخصية مميزة.
كما علّقت قائلةً إنّ عمل “الطموح” يمتلك جميع المقومات ليصبح علامة فارقة: شخصية فنية واضحة، وتقنية نحتية ممتازة، وفكر رمزي متماسك، والأهم من ذلك، القدرة على التفاعل العميق مع السياق المعاصر. ويعكس وصول العمل إلى سعر قياسي إمكاناته الاستثمارية، والأهم من ذلك، يُظهر تزايد تقدير الجمهور وهواة جمع الأعمال الفنية للقيم الفنية الأصيلة.

وفي دورها كمستشارة فنية، أعربت عن إعجابها بتنظيم دار مزادات هيليوس، ولا سيما تطويرها لنظام بيئي فني قائم على المعرفة واحترام القيم الإبداعية.
يُسهم العمل جنبًا إلى جنب مع فريق من المستشارين المحترفين ذوي الخبرة في تعزيز مكانة دار المزادات، ويدعم الجودة الفنية للأعمال المعروضة. وقالت المستشارة الفنية نغيب ثي هاي: “هذا ليس مجرد مزاد يركز على الأرقام، بل هو رحلة لاستكشاف جماليات الرسم المعاصر المتعددة الأوجه، ويوفر مساحة فنية غنية بالدقة الأكاديمية والإلهام”.
إلى جانب أعمال نغوين ثي دونغ، يضم مزاد هيليوس أعمالاً لفنانين بارزين آخرين مثل بوي تيان توان ونغوين ثي هونغ… – شخصيات أسهمت ولا تزال تساهم في إثراء المشهد الفني الفيتنامي المعاصر المتنوع. يقدم كل فنان لغته البصرية الفريدة، من اللوحات التعبيرية الغنية بالمشاعر إلى الاستكشافات التجريدية، مما يعكس ثراء وحيوية المشهد الفني اليوم.
في ظل تزايد الاهتمام الدولي بالمشهد الفني الفيتنامي، تلعب فعاليات مثل هيليوس دورًا محوريًا في بناء الثقة، ورفع مستوى الأداء، وإنشاء جسر مستدام بين الفنانين وهواة جمع الأعمال الفنية والجمهور. كما يُشكل هذا أساسًا لتمكين الرسم الفيتنامي من ترسيخ مكانته تدريجيًا على خريطة الفن العالمية.
المصدر: https://nhandan.vn/khat-vong-diem-nhan-cua-phien-dau-gia-helios-va-hoi-hoa-duong-dai-post942922.html

