في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في قراءة تحليلية جديدة لأبعاد قضية الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية والتهم بالاتجار بالقاصرات، يحذر تحليل في صحيفة فرنسية من الانزلاق خلف “البروباغندا التآمرية” التي قد تحجب الرؤية عن جوهر الشر الحقيقي، متسائلا: هل أبستين هو الشيطان بعينه؟”، بينما تورد مجلة لوبوان تقريرا ميدانيا من جزيرة إبستين التي تجسد، وفقا للتقرير، نظامًا من الاستغلال والفساد المحلي، وتقف كشاهد حي على إحدى أحلك فصول الفساد العابر للقارات.
الكاتب والروائي جان دي سانت شيرون أوضح أن تحليله بصحيفة لاكروا يأتي على خلفية تسريبات جديدة تمس شخصيات فرنسية بارزة، ويسلط الضوء على الكيفية التي تتحول فيها “الظلال” إلى حقائق مطلقة في وعي الرأي العام العالمي.
اقرأ أيضا
list of 2 items
* list 1 of 2 صحيفة إسرائيلية: لقاء ترمب ونتنياهو الأخير هو الأكثر غرابة
* list 2 of 2 صحف عالمية: إيران ترى الحرب أمرا حتميا وقوتها الصاروخية خطا أحمر end of list
ويذكر الكاتب أن مراسلات تعود لعام 2018 بين وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، جاك لانغ، وإبستين، أعادت إشعال فتيل الجدل؛ حيث طلب “لانغ” تمويلا لفيلم سينمائي، ليرد إبستين بتحويل الرسالة لصديق له معلقا: “سأساهم.. ليبقى في الفريق”.
ويرى الكاتب أن عبارة “الفريق” غير المحددة فتحت أبواب “الحمى التآمرية” على مصراعيها، حيث اعتبرها البعض صك إدانة قاطعا بتورط “لانغ” في شبكة الاستغلال الجنسي، رغم غياب الدليل المادي، بينما يؤكد التقرير أن هذه الشكوك البارانويدية (جنون الارتياب) تقتات على “أنصاف الحقائق” لتصيغ منها أحكاما نهائية لا تقبل الجدل.
ويتوقف المقال عند مقطع فيديو مثير للجدل يظهر فيه ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو يسأل إبستين مرتين: “هل أنت الشيطان شخصيا؟”، ليجيبه الأخير بغموض: “لا، لكن لديّ مرآة جيدة”.
ويحلل الكاتب هذا الحوار ضمن سياق أيديولوجي عميق، حيث يعتقد أنصار الجماعة اليمينية “كيو آنون” (QAnon) وجود مؤامرة شيطانية عالمية تشمل طقوسا دموية وتضحيات بالأطفال. ورغم أن دوافع بانون قد تكون مرتبطة بنفوذ إبستين المالي والسياسي، فإن القواعد الشعبية لليمين الأمريكي فسرتها بمعناها الحرفي الغيبي.
ويختتم دي سانت شيرون تحليله بالإشارة إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في القصص الخيالية عن القداسات السوداء، بل في تحويل المال إلى إله، فهو يرى أن الثروة الفاحشة توجِد نوعا من “العمى الأخلاقي” والشعور المطلق بالإفلات من العقاب، مما يجعل النخبة تعيش في حالة مما سمّاه: “الاستعلاء الشيطاني” الذي يحطم الضمير الإنساني.
هذا المعبد شيطاني!
ولا يختلف عن ذلك تقرير ميداني أعدته موفدة مجلة لوبوان من جزيرة إبستين، حيث كان يجمع أصدقاءه ليقوموا بممارسات تتقاطع فيها الجريمة الجنسية مع نفوذ المال وتواطؤ السياسة.
بدأت الموفدة كلير مينيال بوصف محل إقامة إبستين قائلة إنها بناية غريبة التصميم تنتصب على نتوء صخري يلامس مياه البحر، وتحيط بها أشجار النخيل، مبرزة أنها كانت يوما ما مغطاة بخطوط زرقاء وبيضاء وتعلوها قبة ذهبية قبل أن يطيح بتلك القبة إعصار “ماريا” عام 2017.
ويشير التقرير إلى أن جزر العذراء هي قطعة غريبة من الولايات المتحدة يقود أهلها سياراتهم من اليسار -وهو إرث من الاستعمار الدانماركي- ويبلغ فيها معدل الفقر ضعف معدل الفقر في البر الرئيسي للولايات المتحدة (22.8% مقابل 10.6%، وفقًا لمكتب الإحصاء).
مصدر الصورة
صورة جوية لجزيرة إبستين في جزر العذراء بالكاريبي (رويترز)
وإحدى هذه الجزر هي تلك التي اختارها إبستين لنشاطاته المشبوهة وأطلق عليها “ليتل سينت جيف”، وكان قد اشتراها عام 1998 بـ7.95 ملايين دولار وتبلغ مساحتها حوالي 30 هكتارًا.
وعن سبب اختياره لهذه الجزيرة بالذات مقرا رئيسيا له، توضح الموفدة أنها توفر له ما يصبو إليه من خصوصية، إذ يتعذّر الوصول إليها، وتسهل مطاردة من يغامر بمحاولة الدخول إليها.
أما بالنسبة للسكان المحليين، فجزيرة ليتل سينت جيف، لم تكن مجرد عمارة غريبة، بل رمزا لممارسات مظلمة، حيث ينقل التقرير عن أحد سكان جزيرة مجاورة قوله وهو يشير إلى البناية: “مجرد هذا المعبد هو عمل شيطاني! لا أريد التحدث عن الأمر، لقد رأيت فيديوهات.. كانوا يقتلون الأطفال هناك”.
ورغم أن هذه الادعاءات تظل في إطار الشائعات المحلية، وفقا للموفدة، فإنها تعكس حجم الرعب الذي يحيط بالمكان.
ميكوي: كانت هناك غرفة تبريد مليئة بالزهور تحسبا لوصوله في أي لحظة، وطاقم مطبخ جاهز لخدمته فورا.. لقد كان عرضا لثراء فاحش لم أره في حياتي قط
وكشف التقرير عن تفاصيل تشغيل الجزيرة، حيث كان يعمل نحو مئة موظف من بستانيين وحراس وعاملات نظافة، يخضعون لنظام رقابة صارم وسرية مطلقة. يقول جون ميكوي، الذي كان يركب أجهزة التلفاز في الجزيرة: “كانت هناك غرفة تبريد مليئة بالزهور تحسبا لوصوله في أي لحظة، وطاقم مطبخ جاهز لخدمته فورا.. لقد كان عرضا لثراء فاحش لم أره في حياتي قط”.
ولم تكن الجزيرة، حسب مينيال معزولة عن العالم، بل كانت محطة لطائرات إبستين الخاصة، المعروفة بـ”لوليا إكسبريس”، التي كانت تنقل فتيات قاصرات لم يخضعن لأي تفتيش رسمي لجوازات سفرهن، وفي المقابل كان طيار المروحية البلجيكي نيكولا فان هورك يدافع عن إبستين واصفا إياه بأنه “رجل لطيف جدا”، متسائلا ببرود: “من منا ليست لديه نزوات في حياته؟”.
وهي العبارة التي تلخص حالة “الإنكار” أو “التواطؤ المبطن” الذي سمح لهذا النظام بالاستمرار، رغم مشاهدة شخصيات عالمية مثل بيل كلينتون، وإيهود باراك، والأمير أندرو، ومؤسس غوغل سيرجي برين، يترددون على محيط هذه الدائرة، وفقا للتقرير.
جنة للفساد
ويكشف التقرير أن إبستين لم يختر جزر العذراء لجمالها فحسب، بل لأنها كانت “جنة للفساد”، فقد استفاد من إعفاءات ضريبية بلغت 300 مليون دولار بفضل علاقاته الوثيقة مع النخبة السياسية المحلية، ويبرز في هذا السياق اسم سيسيل دي جونغ، زوجة الحاكم السابق للجزر، التي عملت مديرة تنفيذية لشركات إبستين براتب سنوي قدره 200 ألف دولار، بينما كان زوجها يسهل القوانين التي تحمي “المفترس”، كما تصفه الموفدة.
وعندما واجهت سيسيل إبستين بشأن اعتقاله بتهمة استغلال القاصرات، أجابها ببساطة: “لقد كان مجرد خطأ في التقدير”.
اليوم، ورغم بيع الجزيرة للملياردير ستيفن ديكوف لتحويلها إلى منتجع فاخر، فإن الصمت لا يزال يلف المكان، فالسكان المحليون يعانون من “فوبيا إبستين”، والكثير من الشهود يختفون فور محاولة سؤالهم.
تنتهي رحلة لوبوان أمام تمثال “الرامي” القابع بجانب مسبح الجزيرة، وهو رجل أسود يشد قوسه نحو المجهول، في مكان تبدو فيه الممرات نظيفة والطاولات منسقة، وكأن شيئا لم يحدث.

