صائدو المناصب لم يعودوا ينتظرون الفرصة، بل يصنعونها ويهندسون ظهورهم ويعدّون أنفسهم علناً كما تغلف البضائع بورق لامع برّاق. تراهم في كل مكان: منشور يومي، حدث كبير على مواقع التواصل، أو حتى عبر مقال رأي هنا، تعليق سياسي أو اقتصادي هناك.
بعض ما يمر عابراً هو ليس عابراً، بل ربما بشكل أو آخر هو جزء من فئة مجتمعية جديدة أو ربما ليست بجديدة إنما لبست حلّة مختلفة أكثر «مودرن» أو ما يسميه البعض بـ«الحضاريين»! مع أنهم لا يعرفون ما معناها.
تلك الفئة هي ما يليق بها تسمية «صائدو المناصب» أو «صائدو الفرص» في رحلة بحث طويلة تنقلهم من ضفة لأخرى وكلتيهما غير متشابهتين. مع كثير من التحولات السريعة من المتوقع أن يفقد البعض بوصلته أو ربما يبحث عن بوصلة جديدة لا تشبه التي كانت وكان يمنحها وصفاً أو مفردات مختلفة جداً تبدو أكثر سمواً ورفعة وربما قيمة.
يبرز بعضهم في شكل التعبير عن رأي في قضية عامة أو تأييد لموقف أو إجراء أو حتى لفتة من مسؤول صاحب منصب يملك القرار أو ضمن من يملكون القرار الأهم في توزيع الغنائم، التي هي تغلف في شكل مناصب.
وهذه الأخيرة ليست حكراً على المناصب الحكومية أو تلك التي في الشركات الخاصة الكبرى، بل امتدت لتصل إلى منظمات المجتمع المدني.
وصائدو المناصب لم يعودوا ينتظرون الفرصة، بل يصنعونها ويهندسون ظهورهم ويعدّون أنفسهم علناً كما تغلف البضائع بورق لامع برّاق. تراهم في كل مكان: منشور يومي، حدث كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى عبر مقال رأي هنا، تعليق سياسي أو اقتصادي هناك، كلمة «عابرة» في برنامج تلفزيوني، أو وقفة محسوبة في برلمان صوري أو مجلس معيّن بلا صلاحيات حقيقية. كل حركة لديهم مدروسة… يقولون دون أن ينطقوا أنا حاضر… أنا جاهز… أنا مستعد… أنا الأنسب! كل جملة منقوشة بعناية وكل صورة تحمل رسالة واحدة. صائد المنصب لا يطرح مشروعاً، بل يبني «سردية شخصية». يقدّم نفسه كخبير عند الحاجة، وكثائر عند اللزوم، وكحكيم توافقي حين تتطلب اللحظة ذلك. ينصح الفئة الأقرب له ليرضي تلك التي تنظر لهم من بعيد بخوف خلق عبر إعلام ومراكز بحثية وخبراء مرسخين ومجندين لهدف واحد شق الصفوف وتفرقة وتفتيت أكبر.
صائد المناصب يغيّر لغته، بل وتوجهه واهتماماته حسب الجمهور صانع القرار، ويبدل مبادئه أيضاً حسب اتجاه الريح. لا مشكله لديه في أن يكتب اليوم عن العدالة الاجتماعية وهو يحورها على الشكل الذي يريد، أما غداً فيتحول للحديث عن اقتصاد السوق وبعده عن الأمن القومي أو الوطن أولاً وهو ما ينشده: المنصب لا الوطن! يتلوّن ليبقى في المشهد، بل في وسط المشهد.
لا تعنيه القضايا إلا كوسيلة، ولا تعنيه المجتمعات إلا كسلم، كل شيء قابل للتوظيف حتى الألم الجماعي. وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ملعبهم المفضل. هناك يتدرّبون على الخطابة المختصرة، وعلى الجُمل الرنّانة، وعلى إثارة التعاطف السريع. يتعلمون كيف يمررون «الكرة» لتصيب الهدف وعبر من يكون ذلك. يراقبون التفاعل كما يراقب التاجر حركة السوق: أي منشور نجح؟ أي رأي جلب الإعجابات؟ أي موقف فتح باب مقابلة إعلامية؟ ثم يعيدون إنتاج الوصفة نفسها. أما المقالات والظهور الإعلامي، فليست تعبيراً عن قناعة بقدر ما هي استثمار طويل الأمد. كل ظهور يُضاف إلى السيرة الذاتية غير المكتوبة. كل صورة تُخزَّن لليوم الذي تُفتح فيه أبواب التعيينات. حتى الصمت أحياناً يكون تكتيكاً. وتزدحم بهم المواقع ما إن يقترب موعد لتغيير وزاري أو انتخابات لبرلمان صوري أو مجلس معيّن أو مجالس لجمعيات تبدو في مجملها بعيدة عن وجع وهموم الناس، ولكن لها «بريستيج» في مجتمع تحول إلى أن يضع الشخص ضمن إطار إما العائلة، أو القبيلة، أو المنصب! سيقول أحدهم، ولكن ما المشكلة إذا كان الإنسان طموحاً وهذا حقه، وهم بالطبع على حق، ولكن أن يتحول المنصب إلى هدف لا لتقديم وتقدم لمجتمعه الصغير أو الكبير ولا حتى للفئة المستهدفة التي مطلوب منه وهو في منصبه ذاك أن يخدمها، بل لنيل «الغنائم» وكسب المنصب الاجتماعي الرفيع في مجتمعات أصبحت تقدس المناصب والتسميات بدلاً من الكفاءات والعطاء وغيرها من القيم التي هي أساس لبناء مجتمعات صحية لا مريضة كما ترينا ملفات إبستين من قباحة وظلم وسقوط في مستنقع المصالح والشهوات والهيمنة.
* يُنَشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية

