أُسدل الستار على الدورة الثلاثين من عمر سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت، وهى أول فعالية ثقافية تحضرها الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة الجديدة، وهناك بعد ختام السمبوزيوم وبين كتل الجرانيت الصمّاء يقف رجال لا تذكرهم الكاميرات، ولا تُكتب أسماؤهم على اللوحات التذكارية، لكن أى منحوتة خرجت من قلب الجبل تحمل بصماتهم.
إنهم العمال الذين يمسكون الإزميل والمطرقة، يساعدون الفنان التشكيلي حتى تولد قطعة حجر تنطق بالحياة.
على مدار ما يقرب من ثلاثة عقود صنع هؤلاء الرجال مجد السمبوزيوم فى صمت؛ بعضهم بدأ عاملًا بسيطًا، وانتهى خبيرًا يعرف الجرانيت كما يعرف خطوط كفه.
هؤلاء الرجال لم يكونوا مجرد مساعدين، بل شركاء فى صناعة مشهد نحتى وضع أسوان على خريطة الفن العالمى، في كل تمثال يقف فى ميدان، وفى كل كتلة جرانيت تحولت إلى عمل فني، هناك عرق سال بصمت، ويد خشنة حملت الجبل، وقلب بسيط آمن أن الفن لا يولد بالكلمات وحدها، بل بالضربات الأولى على الحجر.

قبل أن يقف الفنان أمام كتلة الجرانيت وقبل أن تُلتقط الصور للمنحوتة وهى تلمع تحت الشمس هناك رجال يقفون فى الظل، لا تُذكر أسماؤهم فى الكتالوجات، ولا تُسلَّط عليهم الأضواء، لكن من دونهم لا يخرج العمل إلى الحياة.
في أسوان الجرانيت ليس حجرًا عاديًا؛ هو كتلة قد يصل وزنها إلى ثلاثة أطنان، صلبة، عنيدة، تحتاج إلى خبرة عضلات قبل أن تحتاج إلى فكرة فنية. هنا يظهر دور العمال الذين لا يحملون مجرد أدوات، بل يحملون الجبل نفسه.
الفنان التشكيلي قد يمتلك الرؤية والخيال والتصور الجمالى، لكنه وحده لا يستطيع تحريك كتلة بهذا الوزن، ولا يقدر أن يروّض الجرانيت القاسى دون خبرة من عاشر الحجر سنوات طويلة؛ لأن المنحوتة تولد من عقل الفنان، لكنها تتشكل بعرق العامل.

◄ اقرأ أيضًا | في «سيمبوزيوم أسوان للنحت»| صمود فلسطين على الجرانيت
◄ طرزان ابن الجرانيت
محمد أحمد عشرى، الشهير بـ«طرزان»، أحد أقدم الوجوه فى الموقع. منذ دورة 1997 وهو حاضر؛ بدأ عاملًا مساعدًا بسيطًا، ثم تدرج حتى أصبح مساعد نحات يعرف الجرانيت كما يعرف ملامح وجهه. عمل مع الراحل الكبير آدم حنين، ومع الفنان ناجى فريد، وشارك فى تنفيذ أعمال لفنانين من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ومصر.
خلال سنواته الطويلة أسهم فى إنتاج آلاف الأعمال التى تقف اليوم فى ميادين مصر، من أسوان إلى العاصمة الإدارية.
يقول فى بساطة: «اتربيت هنا، بقيت أعرف التمثال من أول ضربة، أعرف الحجر هيمشى معانا ولا هيعاند». هو لا يضع اسمه على قاعدة تمثال، لكن بصمته موجودة فى تفاصيل كثيرة لا يراها إلا من يعرف المهنة.

ليس طرزان وحده؛ هناك عربى جابر الذى بدأ عاملًا فى أولى الدورات عام 1996، وتعلم مهنة «الريجر» فى رفع وتصبين الكتل الثقيلة، ثم صار مسئولًا عن تركيب الأعمال داخل المتحف وخارجه، قبل أن تمتد خبرته إلى تجارب دولية فى الخليج، وصولًا إلى إدارة عمل نحتى دولى فى السعودية.
هناك أيضًا حمدى النوبى، الذى يعمل مساعد نحت منذ 2007، يعرفه الفنانون بدقته فى المراحل الأخيرة، حين يتحول الحجر من كتلة خشنة إلى سطح مصقول يعكس الضوء.
ومحمد على أحمد، الذى بدأ رحلته عام 1996، وبقى حاضرًا فى كل دورة تقريبًا، شاهدًا على تغير الأجيال وبقاء الحجر.
وخالد بغدادى، منذ 2001، يحفظ طبيعة الجرانيت من صوته، يعرف متى تتحمل الكتلة الضربة ومتى تحتاج إلى حذر. هؤلاء الرجال لا يقفون فى مقدمة الصورة، لكنهم دائمًا فى قلب العمل.
العمل فى ساحة النحت ليس رومانسيًا كما يبدو فى الصور؛ هو غبار كثيف، وحرارة مرتفعة، وصوت مطارق لا يتوقف. ساعات طويلة من الوقوف أمام كتلة صماء، والإنصات لصوت الحجر، والتعامل مع أدوات ثقيلة، ومخاطر محتملة فى كل لحظة.
أصابع متشققة، وملابس يغمرها الغبار الأبيض، ووجوه تكسوها طبقة من التعب. لكن حين تبدأ ملامح التمثال فى الظهور، يتبدل كل شىء.
في تلك اللحظة يشعر العامل أنه لم يكن مجرد مساعد، بل شريك فى ولادة عمل سيبقى سنوات طويلة بعد أن تنتهى الدورة، وبعد أن تُنسى الأسماء.

◄ أول ظهور رسمي
فى أول ظهور رسمى لها من قلب سمبوزيوم أسوان الدولى للنحت اختارت وزيرة الثقافة أن تبدأ من الجنوب من أسوان، مدينة الجرانيت والضوء، حيث يتجاور التاريخ مع المطرقة والإزميل، وحيث يقف أكثر من 800 عمل فنى شاهدًا على ثلاثين دورة من التراكم البصرى والإنسانى.
وأكدت الوزيرة فى كلمتها أن السمبوزيوم «أحد أهم الفعاليات الداعمة للإبداع وترسيخ الهوية الحضارية»، مشددة على حرص الوزارة على استمرار دعمه وتطويره خلال الدورات المقبلة، بما يسهم فى اكتشاف المواهب الجديدة وتعزيز مكانة مصر فى الفنون التشكيلية إقليميًا ودوليًا.
◄ الروح المؤسسة
الدورة الثلاثون أُهديت إلى روح النحات العالمي آدم حنين مؤسس السمبوزيوم عام 1996، والذي تبناه وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى فى لحظة مفصلية أعادت الاعتبار لفن النحت المعاصر في مصر.
كما أُهديت إلى روح المصور الكبير صلاح مرعى، صاحب الكادرات الأيقونية لفيلم «المومياء»، وشريك آدم حنين فى تطوير فكرة المتحف المفتوح، والذى وثّق مسيرة السمبوزيوم بعدسته ليحوله إلى ذاكرة بصرية خالدة.
ويشارك فى الدورة الثلاثين 13 نحاتًا من دول مختلفة، قدموا أعمالًا تعكس تنوع المدارس والأساليب الفنية، وتسهم فى إثراء المشهد الثقافى بمدينة أسوان، وتعزيز مكانتها كأحد أبرز مراكز الإبداع الفنى فى المنطقة.

