يواجه النظام الدولي لحقوق الإنسان، الذي تبلور في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سلسلة من التحديات غير المسبوقة التي تهدد مبادئه المؤسسة وفاعليته العملية؛ ويتزامن مع ذلك تحولات عميقة في موازين القوة العالمية، وظهور تهديدات نوعية في القرن الحادي والعشرين.
وسوف يتحدد المسار المستقبلي للنظام الدولي لحقوق الإنسان اعتمادا على قدرة آلياته المؤسسية على التكيف مع الوقائع الجيوسياسية المتبدلة، مع الحفاظ على التزاماتها المعيارية بحماية حقوق الإنسان عالميا.
ومن المعروف أن بنية حقوق الإنسان المعاصرة تقوم على مستويات متعددة للحوكمة، بدءا من مجلس حقوق الإنسان وهيئات المعاهدات على المستوى الأممي، إلى الأنظمة الإقليمية في أوروبا، والأمريكتين، وأفريقيا.
وقد صممت هذه الآليات في سياق دولتي مرتبط بظروف الحرب الباردة والصراعات الأيديولوجية، لكنها باتت الآن تواجه ضغوطا بنيوية ناجمة عن تنافس القوى الكبرى، وتشكل محاور استبدادية، وصعود فاعلين غير حكوميين يتصرفون بقدرات ونفوذ شبه سيادي.
وقد غيرت حدة التنافس الأمريكي- الصيني، وتحدي روسيا للمنظومة الليبرالية، إلى جانب التراجع الديمقراطي في عدد من الديمقراطيات الراسخة، المشهد السياسي الذي تعمل ضمنه مؤسسات حقوق الإنسان؛ وهو تغير يثير تساؤلات وجودية حول جدوى المؤسسات العالمية لحقوق الإنسان في نظام دولي يتجه نحو مزيد من الاستبداد وصعود القوى اليمينية.
ورغم ذلك فإن مستقبل حماية حقوق الإنسان سيتحدد من خلال قدرة المجتمع الدولي على إقرار إصلاحات معمقة تعالج مواطن الضعف الهيكلية والعوائق السياسية، وإلا ستكون النتيجة انزلاق المنظومة نحو التفكك.
الآليات المؤسسية والقيود البنيوية
يجسد الهيكل المؤسسي المعاصر لحقوق الإنسان إنجازات معتبرة من حيث المعايير والرقابة العالمية للحقوق والحريات، لكنه يعاني في الوقت ذاته من قيود تعيق فاعليته.
ويقدم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة- الذي أنشئ عام 2006 ليحل محل لجنة حقوق الإنسان التي تآكلت مصداقيتها- مثالا واضحا على هذه الازدواجية؛ فبرغم ولايته الموسعة وانخراط المجتمع المدني بداخله على نحو أكثر، فإنه لا يزال يعاني من التسييس الذي يقوض صورته كمنتدى محايد.
وقد حققت آلية الاستعراض الدوري الشامل التي تراجع سجل كل دولة، تغطية شاملة لجميع الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، مما أتاح فرصا غير مسبوقة للمراجعة والمساءلة؛ ومع ذلك، تظهر أنماط التصويت باستمرار داخل المجلس انحيازات دبلوماسية على حساب الاعتبارات الموضوعية لحقوق الإنسان، فيما أن تواصل إدراج دول داخل نظامه ذات سجلات متدنية في مجال الحقوق بعضوية المجلس، يقوض سلطته الأخلاقية.
ويواجه نظام هيئات المعاهدات، المؤلف من عشر لجان ترصد الامتثال للمعاهدات الدولية الأساسية، تحديات منهجية تحد من قدرته على الإنفاذ؛ فالنقص المزمن في التمويل يفضي إلى تراكم كبير في القضايا وتأخر في إعداد التقارير، بينما يقيد ضعف دعم الأمانة العامة، وتيرة مراجعة تقارير الدول والبلاغات الفردية.
والأهم أن الدول كثيرا ما تهمل تنفيذ التوصيات، وهو ما يكشف قصور آليات المتابعة. كما ينتج التشرذم بين اللجان المختلفة تداخلا في الاختصاصات وتعارضا في التوجيهات، مما يقوض القانون واتساق المعايير.
وتظهر الأنظمة الإقليمية لحقوق الإنسان تفاوتا ملحوظا في الفاعلية؛ فبينما تتميز المنظومة الأوروبية بأحكام ملزمة وآليات تنفيذ قوية، تعاني أقاليم أخرى من محدودية الموارد وعجز التنفيذ. وقد طورت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فقها قضائيا مبتكرا في قضايا مستجدة، لكنها تواجه مقاومة متنامية من حركات شعبوية تصور الالتزامات الحقوقية الأوروبية كتهديد للسيادة الوطنية.
أما النظام الأمريكي، فعلى الرغم من ريادته في مناهج الحقوق الجماعية والعدالة الانتقالية، فإنه واقع الآن تحت ضغط سياسي محافظ، وتراجع في إرادته التمويلية. ويقدم النظام الأفريقي في مجال الحقوق الجماعية والمقاربات التنموية إسهاما مميزا في تعزيز الخطاب الحقوقي، غير أن محدودية الموارد وضعف تعاون الدول يقيدان قدرته التشغيلية.
وتوضح هذه الفوارق الإقليمية أن فاعلية المؤسسات لا تعتمد على الآليات الرسمية وحدها، بل على الثقافة السياسية الأوسع والتقاليد القانونية وتوافر الموارد.
أما الفجوة الفاصلة بين المعايير الدولية والتنفيذ المحلي لمعايير حقوق الإنسان، فإنها تنبع من مصادر متعددة: هواجس السيادة التي تدفع الدول إلى مقاومة التدخل الخارجي، وقيود القدرات في البلدان النامية، وتعارض التقاليد القانونية الداخلية، وعدم الاستقرار السياسي الذي يعوق استمرارية الحماية.
وحتى الآن تعتمد آليات المساءلة الحقوقية إلى حد بعيد على التعاون الطوعي بدلا من الإنفاذ الإلزامي، مع قلة في أدوات الردع والعقوبات ضد الدول غير الملتزمة.
صعود الشعبويات
وأدت موجات التراجع الديمقراطي وصعود الشعبويات داخل الديمقراطيات الراسخة إلى توليد تحديات داخلية تفاقم الضغوط الاستبدادية الخارجية؛ إذ يصور الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان على أنه تهديد للأمن القومي ولحق تقرير المصير الديمقراطي، بما يعزز الشك العام في المؤسسات الدولية ويضعف الاستعداد للمشاركة متعددة الأطراف.
وتدفع هذه الضغوط السياسية الداخلية الدول الديمقراطية إلى انتهاج مقاربات انتقائية تجاه القانون الدولي لحقوق الإنسان، فتتآكل مصداقيتها بوصفها نصيرا للحقوق وتتراجع قدرتها على دعم الآليات الدولية.
ويؤدي التقاء الممانعة الاستبدادية مع التردد الديمقراطي إلى تقويض الحقوق وإضعاف المنظومة الحقوقية التي تكونت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية.
ولا يقتصر ذلك على الدول، بل يشمل شركات التكنولوجيا وسواها من الكيانات المؤسسية التي تمارس سلطة شبه سيادية على حقوق الإنسان. فقرارات حوكمة المنصات وتوجيهها نحو ضبط المحتوى تؤثر مباشرة في حرية التعبير عالميا، بينما تثير ممارسات جمع البيانات تحديات غير مسبوقة لحق الخصوصية.
كما تسهم منظومات القرار الخوارزمية في تكريس التمييز والتحيز مع بقائها عصية على مسارات المساءلة التقليدية. ومعروف أن نطاق عمل هذه المنصات الرقمية يتجاوز الاختصاصات القضائية الوطنية.
إن صون كرامة الإنسان بوصفها مبدأ كونيا يقتضي التزاما ثابتا بالقيم الأساسية، وتكيفا خلاقا مع واقع متحول، بما يضمن بقاء حقوق الإنسان ذات صلة وقابلة للإنفاذ في نظام دولي يزداد تعقيدا وتنافسا
المسارات المستقبلية وتحولات المنظومة
يكشف تحليل الاتجاهات الراهنة عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل نظام حقوق الإنسان خلال الخمسة عشر إلى العشرين عاما المقبلة، لكل منها انعكاسات مميزة على البنية المؤسسية والأطر المعيارية.
سيناريو التشرذم المستمر، الناتج عن بقاء التنافس بين القوى العظمى باعتباره عاملا مقوضا للتوافق، في الوقت الذي تواصل فيه التحالفات الاستبدادية مقاومة التدقيق والتوثيق الحقوقي بفاعلية. وفي ظل هذا المسار، يزداد مجلس حقوق الإنسان العالمي اختلالا وظيفيا بفعل الاستقطاب السياسي، وتتراجع مكانة هيئات المعاهدات تدريجيا مع فتور مشاركة الدول.
سيناريو التكيف والإصلاح المؤسسي، ويفترض إقرار القوى الكبرى بمصالحها المشتركة في فاعلية حوكمة حقوق الإنسان، بما يفتح الباب أمام إصلاحات شاملة تعالج مواطن الضعف البنيوية.
ويتضمن هذا المسار ترميم الآليات المؤسسية وتعزيز مصداقيتها عبر إجراءات لنزع التسييس، وتبسيط منظومة هيئات المعاهدات وتزويدها بموارد أفضل، مع تحسين التنسيق البيني، وتعظيم مشاركة المجتمع المدني بضمانات قوية. ورغم ما يواجهه هذا المسار من عقبات سياسية جسيمة، فإنه يتيح إمكان حماية الأطر العالمية مع الارتقاء بفاعليتها وشرعيتها.
أما سيناريو تحول المنظومة، فيعمل هذا التحول على دمج حقوق الإنسان مع حوكمة المناخ والاقتصاد والأمن، معتمدا مقاربات شاملة لصون الكرامة الإنسانية. ويتجاوز الانخراط المباشر مع الفاعلين الحكوميين والنماذج التقليدية المتمركزة حول الدولة، فيما ستحدث منظومات الرصد والاستجابة الفورية المدعومة بالتكنولوجيا نقلة نوعية في قدرات الإنفاذ الحقوقية.
ويلزم لهذا التحول ابتكار مؤسسي، واختراقات في الأطر القانونية الدولية. فحوكمة الحقوق الرقمية تتطلب معايير جديدة لتتبع تقنيات المراقبة وأنظمة الذكاء الاصطناعي ومساءلة المنصات بما يتجاوز الحدود القضائية التقليدية. كما يتقاطع تغير المناخ مع جل حقوق الإنسان عبر النزوح البشري وندرة الموارد وهموم العدالة بين الأجيال، بما يقتضي إدماج اعتبارات المناخ في جميع آليات حقوق الإنسان.
خاتمة
سيتحدد المسار المستقبلي للمنظومة الحقوقية بما يتخذ في العقد القادم من خيارات تخص الإصلاح المؤسسي، وإستراتيجيات بناء التحالفات، والتكيف مع التحديات الناشئة.
ورغم رجحان استمرار التشرذم في ضوء الاتجاهات الحالية، تبقى فرص التكيف، وربما التحول، ممكنة متى توفرت إرادة سياسية كافية وتفكير ابتكاري لدى الفاعلين الرئيسيين.
إن الإصلاح المؤسسي الشامل، والابتكار في أدوات الإنفاذ، وبناء تحالفات ديمقراطية متماسكة، والتكيف مع التحديات الرقمية والمناخية والاقتصادية، وتكامل الحوكمة عبر المستويات، كلها مسارات عملية لتعزيز مرونة المنظومة وفاعليتها.
ويتوقف نجاح هذه الجهود على إدراك أن حماية حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين تعني إعادة تصور لأطر الحوكمة القادرة على إدارة التفاعل المعقد بين سلطة الدولة ونفوذ الفاعلين غير الحكوميين والتحول التكنولوجي الذي يطبع النظام العالمي الراهن.
إن صون كرامة الإنسان بوصفها مبدأ كونيا يقتضي التزاما ثابتا بالقيم الأساسية، وتكيفا خلاقا مع واقع متحول، بما يضمن بقاء حقوق الإنسان ذات صلة وقابلة للإنفاذ في نظام دولي يزداد تعقيدا وتنافسا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

