ظل ما يناهز نصف الفصول الدراسية في العاصمة الفليبينية مانيلا فارغا في بداية الأسبوع الماضي، حيث قرر المسؤولون تعليق الدراسة بسبب سوء أحوال الطقس. وفي أبريل/ نيسان ومايو/ أيار 2024، أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى إلغاء الفصول الدراسية يوميا تقريبا، وأحيانا في جميع أنحاء البلاد.
وليست الفلبين وحدهم في هذا المأزق، فوفقا لليونيسف، توقفت دروس ما لا يقل عن 242 مليون تلميذ على مستوى العالم بسبب الطقس السيء خلال عام 2024.
ويشمل ذلك موجات الحر والأعاصير المدارية والعواصف والفيضانات والجفاف، التي تتفاقم بسبب تغير المناخ. ويعيش ما يقارب ثلاثة أرباع التلاميذ المتضررين في بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
“الطقس يمكن أن يغير الحياة”
أفصحت اليونيسف عن أرقام مرعبة، إذ قالت إن حوالي مليار طفل يعيشون في بلدان معرضة بشدة للمشكلات البيئية والمناخية، حيث غالبا ما تجعل أحداث مثل العواصف أو الفيضانات حياة الناس صعبة للغاية، وتدمر أحياء بأكملها أو طرقا أو حتى مدارس. أما المباني المدرسية التي تظل سليمة فتصير أحيانا ملاجئا، مما يؤخر أيضا العودة إلى الفصول الدراسية.
على الرغم من أن بعض المرافق التعليمية قد تظل مفتوحة من الناحية الفنية أثناء أحداث مثل موجات الحر، إلا أن درجات الحرارة المرتفعة يمكن أن تجعل التركيز أو استيعاب المعلومات بالنسبة للتلاميذ أمرا صعبا.
وقالت ميغان كوهفيلد، وهي عالمة أبحاث بارزة في شركة تقدم خدمات تعليمية في الولايات المتحدة NWEA: إنه “قد يطرأ حدث صغير، لكنه يمكن أن يغير حياة الكثيرين. بالنسبة للعديد من الأطفال، فإن الروتين أكثر أهمية من البالغين، إذ ليس لديهم مهارات التأقلم للتعامل مع أي شيء طارئ”.
نكسة أكاديمية
لقد عانت ميتزي جونيل تان، ناشطة في مجال العدالة المناخية من الفلبين، من هذه الاضطرابات بشكل مباشر عندما كانت مراهقة. في عام 2009، تسبب إعصاران كبيران، كيتسانا وبارما، في انقطاع دراستها لسنوات.
قالت تان، التي واصلت الدراسة في جامعة الفلبين ديليمان: “عندما حان وقت التقدم للجامعات، كانت هناك أشياء كثيرة لم نتعلمها. لذلك، كان علينا القيام بدورة تدريبية مكثفة، حتى نتمكن من اجتياز امتحانات القبول”.
كما قامت كوهفيلد بتحليل دراسات أمريكية مختلفة تبحث في العلاقة بين الوقت الذي يغيب فيه التلاميذ عن المدرسة لأي سبب ومدى تأخرهم في التعلم. وجدت أن طول الغياب والتأثير على التعلم لا يتطابقان، فأسبوع من الغياب عن الفصول الدراسية يمكن أن يؤخر التلاميذ عدة أسابيع، أي حسب ظروفهم.
هناك شيء واحد يلعب دورا في تأثير الغياب عن الفصول الدراسية وهو مدى تقدم الطفل في مسيرته المدرسية. مناهج المدارس المتوسطة أكثر تقدما من مناهج المدارس الابتدائية. لذا فإن التغيب عن الفصول الدراسية يصعب عليهم المواكبة.
رغم ذلك، لاحظت كوهفيلد أن الدراسات التي حللتها حول التغيب بسبب سوء الأحوال الجوية، سطرت انتكاسات تعليمية أكثر أهمية من الدراسات الأخرى. ربما لأن العديد من هؤلاء التلاميذ يتعاملون أيضا مع ضغوط فترة تجاوز الكارثة الطبيعية.
وقالت: “ربما يشير هذا إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالتغيب عن المدرسة، فهناك جوانب أخرى تتعلق بالصحة العقلية”.
العودة إلى المدرسة
بمجرد إعادة فتح المدارس، لا يستطيع المعلمون بالضرورة متابعة ما توقفوا عنده من دروس، لأن العودة إلى الفصول الدراسية تتعلق بأكثر من إصلاح البنية الأساسية.
وقالت بيا ريبيلو بريتو، المديرة العالمية للتعليم وتنمية المراهقين في اليونيسف، “يتم تدمير المدارس والمباني، كما أن المتعلمين يتأثرون أيضا، إذا بدأوا يشعرون بأنهم تخلفوا عن الركب، يفقدون الشغف”.
ويمكن أن يؤثر الافتقار إلى الشغف على الكثيرين، ففي إقليم السند الباكستاني، رأت بريتو مدى صعوبة استمرار الفتيات في المشاركة بعد أن أدت الفيضانات إلى إغلاق مدارسهن.
وفي الفلبين، تعرف الناشطة المناخية تان طلابًا من ذوي أسر ذات دخل منخفض، يتحتم عليهم الاختيار بين العودة إلى الفصل الدراسي أو دعم أسرهم. وقالت: “إذا غمرت المياه منزلهم بالكامل، فمن الصعب جدا أن نقنع الطالب بالذهاب إلى المدرسة والتعلم عن شيء يبدو بعيدا جدا عن واقعه”.
كيف نحمي التعليم من تغير المناخ وسلبياته؟
يتفق خبراء التعليم على أن النظام المدرسي لابد أن يصبح أكثر مرونة في مواجهة تغير المناخ، رغم أن هذا يرتبط أيضا بالتمويل.
يمكن للمدارس أن تضع خططا طارئة في حالة تلف المبنى، مثل نقل الفصول الدراسية إلى الكنائس أو القاعات العامة. كما يمكنهم أيضا تكييف التقويم المدرسي لتجنب الأشهر التي يرتفع فيها احتمال بروز طقس سيء.
تسببت موجات الحر في تعطيل المدارس في الفلبين جزئيا، بسبب تغيير كان الهدف منه مزامنة فترة الدراسة مع بلدان أخرى. وهذا يعني جلب التلاميذ والطلاب إلى الفصول الدراسية خلال ذروة موسم الجفاف والحرارة في أبريل/ نيسان ومايو/ أيار. تعمل الحكومة الآن على تغيير الجدول الزمني مرة أخرى.
ومع ذلك، فإن الخطوة الأكثر أهمية هي جعل المدارس أكثر مرونة، وهذا يعني حماية المباني من تغير المناخ عن طريق عزلها أو بنائها بمواد تنظم درجة الحرارة بشكل طبيعي، ورفعها لحمايتها من الفيضانات وبناء أسقف أكثر صلابة لتحمل رياح الأعاصير.
كما أن الأمر يتطلب تزويد التلاميذ بمعلومات أفضل حول تغير المناخ في المناهج الدراسية. وبهذه الطريقة يمكنهم فهم ما يحدث لهم والدور الذي لعبه حرق الوقود الأحفوري في التسبب فيتغير المناخ.
بالنسبة للناشطة المناخية لتان: “من المهم أن يتعلموا عن هذا الأمر بطريقة سياقية، حتى يدركوا أنه شيء يشمل جميع قطاعات الحياة وأنهم قادرون على المشاركة في صنع السياسات وتغييرها، إنهم يمثلون الأجيال القادمة”.
أعدته للعربية: ماجدة بوعزة