في التاسع عشر من أغسطس، يحيي المجتمع الدولي اليوم العالمي للعمل الإنساني تحت شعار “تعزيز التضامن العالمي وتمكين المجتمعات المحلية”، في وقت يشهد فيه السودان واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً على مستوى العالم، حيث تجاوز عدد النازحين داخلياً وخارجياً حاجز الاثني عشر مليون شخص، لتتحول الأزمة السودانية إلى أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم حالياً. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد مفاهيم التضامن الإنساني مجرد شعارات، بل باتت تمثل ضرورة وجودية لملايين المدنيين الذين يواجهون المجاعة والحصار والقتل اليومي، خاصة في مناطق شمال دارفور، حيث أُعلنت المجاعة رسمياً في خمس مناطق، ولا يزال مئات الآلاف محاصرين في مدينة الفاشر.
وفي بيان أصدره بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، كشف منسق الأمم المتحدة المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية بالإنابة في السودان، لوكا ريندا، عن مقتل أكثر من 120 من العاملين في المجال الإنساني منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، معظمهم من المواطنين السودانيين. وأكد أن السودان أصبح من أخطر البيئات على العاملين في المجال الإغاثي، حيث يتعرضون للاعتداءات والاحتجاز بشكل متكرر، في ظل غياب الحماية وتفشي العنف.
وفي استطلاع أجراه راديو دبنقا، أفاد عدد من المتطوعين وأعضاء غرف الطوارئ بأن العمل الإنساني في السودان يواجه تحديات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب قبل نحو عامين ونصف، مشيرين إلى استمرار جهودهم في مختلف المدن رغم القصف المدفعي الذي طال التكايا في مدينة الفاشر. وفي العاصمة الخرطوم، فرضت مفوضية العون الإنساني قيوداً على نشاط غرفة الطوارئ بحجة عدم تسجيلها رسمياً، ما أثار انتقادات واسعة من العاملين في المجال الإغاثي.
هند الطائف، عضو غرفة طوارئ ولاية الخرطوم، أشادت في حديثها لراديو دبنقا بجهود المتطوعين وغرف الطوارئ في العاصمة وبقية الولايات، مؤكدة أن هذه الفرق قدمت خدمات حيوية خلال الحرب، من بينها تشغيل التكايا، تنظيم عمليات الإجلاء، تشغيل المراكز الصحية، وتوفير مساحات آمنة للنساء والأطفال، إلى جانب تقديم الدعم الاجتماعي. وأشارت إلى أن المتطوعين تعرضوا للاعتقال والتنكيل والقتل، كما تم سحب المعونات منهم، إلا أن غرف الطوارئ تواصل عملها رغم هذه الانتهاكات، وتسعى حالياً إلى توفير منظومات طاقة شمسية للمراكز الصحية وآبار المياه، إضافة إلى استمرار تشغيل المطابخ وتنظيم حملات الإصحاح البيئي والتوعية بمخاطر فصل الخريف.
الناشط في مجال العمل الطوعي والإنساني، عرابي أحمد عمر، من لجان الطوارئ بولاية سنار، وصف ما قدمه المتطوعون خلال الحرب بأنه “ملاحم إنسانية”، رغم الصعوبات الكبيرة في الحصول على التمويل والمواد الأساسية، مشيراً إلى أن وجبة “البليلة” أصبحت الغذاء الرئيسي الذي ينتظره الناس في طوابير طويلة. واتهم عرابي عناصر من النظام السابق بمحاولات السيطرة على المفوضيات وبرامج الإغاثة، وتشويه صورة القائمين على المطابخ الخيرية والعمل الطوعي.
من جهته، قال الناشط المدني مهند عرابي لراديو دبنقا إن المتطوعين العاملين في غرف الطوارئ يواجهون استهدافاً داخلياً يتمثل في المضايقات الأمنية أثناء أداء مهامهم، لكنه أشار إلى وجود إشراقات إيجابية، من بينها تقدير الاتحاد الأوروبي لجهود غرف الطوارئ السودانية، وهو ما اعتُبر اعترافاً دولياً بمساهماتهم في المجال الإنساني.
منذ أبريل 2023، دخل السودان في دوامة من النزوح الجماعي، حيث تشير بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 8.6 مليون شخص نزحوا داخلياً، فيما لجأ قرابة أربعة ملايين إلى دول الجوار. انهيار مؤسسات الدولة جعل المدنيين في مواجهة مباشرة مع المجاعة والقتل الجماعي وتفشي الأوبئة، وسط غياب شبه كامل للخدمات الأساسية.
وتُعد دارفور من أكثر المناطق تضرراً، حيث أكدت لجنة مراجعة المجاعة وجود مجاعة فعلية في مخيم زمزم، محذّرة من كارثة وشيكة في مخيمي أبو شوك والسلام. وفي ديسمبر 2024، أُعلنت المجاعة رسمياً في خمس مناطق بشمال دارفور، ما وضع أكثر من 600 ألف شخص في مواجهة مباشرة مع الجوع الكارثي. ومع بداية عام 2025، وصفت منظمة الإغاثة الدولية الوضع في المنطقة بأنه “مأساوي”، خاصة بعد مقتل تسعة من العاملين لديها في هجوم مسلح استهدف عيادة داخل مخيم زمزم، وهو ما أدى إلى انهيار آخر المرافق الصحية العاملة في المنطقة، تاركاً السكان في مواجهة الموت دون أي دعم طبي أو إنساني.
في ظل تصاعد حدة النزاع المسلح في السودان، تتواصل تداعيات الأزمة الإنسانية على نطاق واسع، حيث شهدت مناطق جنوب وغرب كردفان موجات نزوح جماعي شملت آلاف الأسر، نتيجة الاشتباكات المستمرة. وقد وثّق راديو دبنقا مقتل عدد كبير من المدنيين في مدينة كادوقلي، بينما أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة إلى تسجيل نزوح 565 أسرة جديدة خلال شهر مايو من عام 2025. وفي العاصمة الخرطوم، تسببت عمليات القصف والنهب في تهجير سكان أحياء بأكملها، حيث تم توثيق إخلاءات جماعية من مناطق السامراب ودردوق الواقعتين شمال المدينة، في مشهد يعكس حجم الكارثة التي تعصف بالمدنيين.
وتُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن أكثر من سبعين في المئة من المرافق الصحية الواقعة في مناطق النزاع خرجت عن الخدمة، ما فاقم من أزمة الرعاية الطبية في البلاد. وفي الوقت ذاته، يشهد السودان أسوأ موجة تفشٍ لوباء الكوليرا منذ سنوات، حيث تجاوز عدد الحالات المشتبه بها 99 ألف إصابة، فيما بلغ عدد الوفيات أكثر من 2,470 حالة حتى منتصف عام 2025، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.
شعار اليوم العالمي للعمل الإنساني لهذا العام، الذي يتمحور حول تعزيز التضامن العالمي وتمكين المجتمعات المحلية، يجد تجسيده الواقعي في السودان، حيث برزت مبادرات أهلية واسعة النطاق لسد الفراغ الناتج عن غياب الدولة وضعف وصول المساعدات الدولية. ففي إقليم دارفور، اضطلعت غرف الطوارئ بدور محوري في تنظيم عمليات الإجلاء وتوزيع المياه والغذاء والدواء، إلى جانب إدارة مدارس مؤقتة داخل المخيمات، وهي جهود أهلية رُشحت لنيل جائزة نوبل للسلام لعام 2025. وفي كردفان، بادرت المجتمعات المحلية إلى إنشاء مطابخ تضامن وفصول تعليمية مرتجلة ومراكز صحية بسيطة تقودها النساء، بهدف توفير الحد الأدنى من الغذاء والرعاية الصحية. أما في الخرطوم، فقد حول المتطوعون عدداً من المدارس إلى مستشفيات مؤقتة، واستمر المعلمون في تقديم الدروس للأطفال داخل الأزقة، في مشهد يعكس روح الصمود الشعبي في مواجهة الانهيار المؤسسي.
هذه المبادرات المجتمعية تمثل نموذجاً حياً لقدرة التضامن المحلي على حماية المجتمعات في ظل غياب الدعم الرسمي، وتؤكد أن الإرادة الشعبية قادرة على الصمود حتى في أقسى الظروف. ومع استمرار النزاع، تحوّل السودان إلى واحدة من أخطر البيئات على العاملين في المجال الإنساني، حيث وثّق مجلس الأمن الدولي مقتل 84 من العاملين في هذا القطاع، جميعهم من السودانيين. وبلغت المأساة ذروتها في أبريل 2025، حين قُتل تسعة من موظفي منظمة الإغاثة الدولية في هجوم مسلح استهدف عيادة داخل مخيم زمزم، تبعه مقتل خمسة آخرين في كمين استهدف قافلة مشتركة لبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف قرب منطقة الكومة في يونيو من العام ذاته.
وفي السياق ذاته، أعلن منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن عدد العاملين في المجال الإنساني الذين قُتلوا في السودان منذ اندلاع الحرب بلغ 120 شخصاً، وهو رقم يعكس حجم المخاطر التي يواجهها هؤلاء في أداء مهامهم. هذه الهجمات لم تؤدِ فقط إلى سقوط ضحايا، بل تسببت أيضاً في تعطيل خطوط الإمداد الإنسانية الهشة، ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من المدنيين من المساعدات الضرورية للبقاء. وعلى الرغم من الإدانات الدولية المتكررة، يواصل العاملون في المجال الإغاثي، خاصة السودانيين منهم، أداء مهامهم في ظروف بالغة الخطورة.
ومع دخول الحرب عامها الثالث، لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على قرب انتهاء الأزمة. فالمجاعة مرشحة للامتداد إلى سبعة عشر موقعاً إضافياً، في وقت تحذر فيه وكالات الأمم المتحدة من أن حجم الاحتياجات الإنسانية يفوق بكثير الموارد المتاحة. ويُفاقم تفشي الأمراض وانهيار البنية التحتية من تعقيدات الوضع، لتتضح الصورة القاتمة: ما لم يتم التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار واستئناف التعاون الإنساني الدولي، فإن معاناة الشعب السوداني ستستمر في التصاعد دون أفق للحل.

