يعد انتزاع الاعترافات القسرية من المعارضين السياسيين والمنتقدين إحدى الأدوات الثابتة في السردية الأمنية للنظام الإيراني على مدى ما يقارب خمسة عقود. وقد استخدم هذا النهج الذي طبق على نطاق واسع في مواجهة المعارضين خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي وأحداث جامعة طهران واحتجاجات عام 2009 وانتفاضتي يناير (كانون الثاني) 2018 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019 والحراك الشعبي عام 2022، إلى جانب محطات أخرى، مجدداً عقب الأحداث الدامية التي شهدها يوما الثامن والتاسع من يناير الجاري. وهي أحداث أعادت، مع الانتشار الواسع للصور ومقاطع الفيديو التي وثقت قتل المتظاهرين في مدن إيرانية عدة، تسليط الضوء على أبعاد جديدة من القمع المكشوف في نظر الرأي العام.
وفي الأيام التي تلت هذه الوقائع أعلنت السلطات القضائية والأمنية والشرطية في النظام الإيراني، وبالتوازي مع نسب الاحتجاجات إلى قوى معادية للانتفاضة ومثيري الشغب وعناصر مرتبطة بأجهزة استخبارات أجنبية، تنفيذ حملات اعتقال واسعة في حق مواطنين.
ولاحقاً، ومع حجب شبكات التواصل الاجتماعي المستقلة وحصر تدفق المعلومات بوسائل إعلام مقربة من السلطة، من بينها وكالات “فارس” و”تسنيم” و”مهر” و”جمهوري إسلامي” للأنباء، برزت موجة جديدة من اعترافات الموقوفين، جرى بثها وإعادة نشرها بصورة منسقة عبر هذه المنصات، إلى جانب هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية.
اعترافات قسرية ومحاولات لتبرئة أجهزة القمع
تظهر مراجعة مضمون هذه الاعترافات أن الهدف الأساس من نشرها هو نقل مسؤولية القتل الواسع وغير المسبوق للمتظاهرين من المؤسسات الحكومية، إلى عناصر غير حكومية في إيران. وقد سعى الجهاز الدعائي للنظام الإيراني، عبر هذا السرد، إلى تبرئة نفسه من مسؤولية الأحداث الأخيرة، ووضع النظام في موقع ضحية مؤامرة. وفي الوقت نفسه، جرى توصيف الاحتجاجات الشعبية الواسعة على أنها تحرك مدبر ومنظم ومن نتاج شبكات تجسس أجنبية.
وفي هذا السياق، لا تعد الاعترافات التي جرى بثها مجرد استجوابات إعلامية، بل هي جزء من سيناريو أمني يهدف إلى تغيير طبيعة الاحتجاجات، عبر قلب الأدوار بين المحتج والسلطات، وإضفاء شرعية على العنف الذي تمارسه الدولة. وفي هذه الاعترافات، يقدم المعتقلون بوصفهم محاربين أو مرتكبي قتل أو مسببي شغب متعمد، وهي اتهامات حذر منتقدون وخبراء قانونيون من تبعاتها الخطرة.
ويرى هؤلاء المنتقدون أن هذا المسار يشير إلى بداية مرحلة جديدة من تلفيق القضايا قضائياً، مرحلة قد تفضي إلى إصدار أحكام قاسية، من بينها الإعدام. وتأتي هذه التحذيرات في وقت لا تزال فيه الساحة الإيرانية متوترة بفعل الصور المتداولة لعمليات القتل، مع بروز مؤشرات إلى احتمال عودة الاحتجاجات إلى الشارع.
دفاع عن النفس أم شغب منظم؟
إلى جانب الاعترافات القسرية، سعى النظام الإيراني إلى عرض صور ومقاطع فيديو مختارة لمحتجين، في محاولة لإظهارهم وهم يرتكبون جرائم منسوبة إليهم. غير أن مراجعة هذه المواد نفسها تظهر، في معظم الحالات، أن ما جرى كان رد فعل من المواطنين على مواجهة الاحتجاجات بعنف مارسته القوات الأمنية.
وفي حالات كثيرة، تبين الصور القادمة من منطقة واحدة بوضوح أن قوات الشرطة والأجهزة الأمنية أو القوات المالية للحكومة بادرت أولاً إلى إطلاق النار والضرب والمطاردة، وأن رد فعل الناس جاء في إطار محاولة الحفاظ على الحياة، أو الدفاع عن النفس، أو الفرار، وهو ما يمكن فهمه وتحليله في سياقه الطبيعي.
ومن النقاط التي حاولت السلطات إبقاءها في الهامش، الدور الذي أدته بعض المرافق العامة والدينية في تنظيم عمليات المواجهة. ففي سياق الاعترافات القسرية، يجري التركيز على حرق المساجد ودور العبادة، من دون التطرق إلى حقيقة أن عديداً من المساجد والمباني الإدارية والدينية، ولا سيما في مراكز المدن، تحولت عملياً إلى قواعد لقوات “الباسيج” ونقاط لتنظيم القوات وشن الهجمات على المحتجين واعتقال المواطنين، إضافة إلى أن استخدام حافلات النقل العام والمركبات المدنية لنقل المعتقلين أو حتى لاختطاف مواطنين، مسألة لها سجل طويل في ممارسات عنيفة لدى النظام الإيراني.
ووفقاً للوثائق المتعلقة باحتجاجات نوفمبر 2019 والحراك الشعبي عام 2022، لجأ الجهاز الأمني للنظام الإيراني مراراً إلى استخدام سيارات إسعاف ومركبات عامة وحافلات لنقل الجرحى وتنفيذ حملات اعتقال واسعة. وهو واقع يتناقض بوضوح مع الرواية الرسمية للسلطات عن احتجاجات منظمة وعنف مخطط له من جانب المحتجين.
وبناءً على ذلك، فإن ما يروج له اليوم في إطار الاعترافات القسرية والروايات الرسمية الدعائية، لا يعكس ما يحدث فعلياً في شوارع إيران، بقدر ما يشكل امتداداً لنمط معروف يهدف إلى ترهيب المجتمع وتهديده والسيطرة عليه. نمط غايته النهائية وقف الاحتجاجات عبر تلفيق القضايا وبث الخوف وإضفاء الشرعية على العنف الذي تمارسه الدولة.
السجل التاريخي للاعترافات القسرية والإعدام في إيران
شكَّل الإعدام وانتزاع الاعترافات القسرية أداتين رئيستين للضغط والترهيب في إيران، جرى توظيفهما منذ الأيام الأولى لقيام النظام. فقد بدأت الموجة الأولى من الإعدامات مع وصول هذا النظام إلى السلطة، حين جرى إعدام قادة من الجيش الإيراني رمياً بالرصاص على سطح مدرسة “رفاه” في طهران، التي كانت مقر إقامة روح الله الخميني آنذاك. وسرعان ما امتد هذا المسار ليشمل إعدام مسؤولين مدنيين من حقبة الحكم بهلوي.
وفي تلك المرحلة، أصدرت محاكم الثورة، برئاسة شخصيات مثل صادق خلخالي، أحكام إعدام في حق أعداد كبيرة من المتهمين في محاكمات سريعة، من دون الالتزام بأدنى معايير المحاكمة العادلة. ومع تصاعد الصراعات والتوترات السياسية عام 1979، تشكلت موجة جديدة من الإعدامات في مدن مختلفة من البلاد، إلى حد أن بعض مدعي الثورة اكتسبوا بين الناس لقب “جزاري الثورة” بسبب سرعة واتساع نطاق إصدار أحكام الإعدام.
وبالتوازي، لجأ النظام الإيراني إلى انتزاع اعترافات قسرية واسعة تحت التعذيب من معارضيها السياسيين، بهدف التأثير في الرأي العام الداخلي وتقديم ما اعتبره أدلة للجهات الدولية. وقد أدى التلفزيون الرسمي ووسائل الإعلام الحكومية آنذاك دوراً فاعلاً في بث هذه الاعترافات. وانتهى هذا المسار إلى الإعدام الجماعي لآلاف السجناء السياسيين في صيف عام 1988، وهي إعدامات نفذت سراً، فيما ظلت أماكن دفن الضحايا مجهولة لهذه اللحظة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي مراحل لاحقة، من بينها الهجوم على السكن الجامعي في طهران عام 1999 واحتجاجات ما بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009 والاحتجاجات الواسعة في أعوام 2017 و2019 و2022، عاد بث الاعترافات القسرية ليكون إحدى الأدوات الأساسية بيد الجهاز الأمني. وخلال هذه الفترات، لم يقتصر الأمر على اعتقال ناشطين سياسيين ومدنيين فحسب، بل شمل أيضاً أشخاصاً من حملة الجنسيات المزدوجة وأفراداً من عائلات القتلى، أجبروا على الإدلاء باعترافات غير حقيقية، كانت تخدم أهدافاً سياسية وأمنية واضحة.
ردود فعل المجتمع والمنظمات الحقوقية
في سياق الأحداث الأخيرة التي حدثت مطلع شهر يناير الجاري يرى كثير من المراقبين أن النظام الإيراني لم يعد قادراً على إقناع الرأي العام بالاعتماد على الاعترافات القسرية وحدها. ومن هذا المنطلق، جرى بالتوازي إدراج برامج لانتزاع اعترافات من عائلات القتلى وصناعة أدلة مفبركة وإعادة تمثيل الواقع بصورة انتقائية ضمن جدول الأعمال، وهو نهج يعده منتقدون جزءاً من خطة أوسع لترهيب المجتمع وهندسة رواية الأحداث.
وفي المقابل، دأب معارضو النظام الإيراني ومنتقدوه خلال الأعوام الماضية على تأكيد عدم قانونية الاعترافات القسرية وطابعها العنيف، واعتبارها نتاج ضغوط نفسية وجسدية، وشككت منظمات حقوق الإنسان الدولية مراراً في صدقية هذه الاعترافات، ودانت النظام الإيراني بسبب انتهاكه حقوق المحتجزين.
وبحسب هذه المنظمات، فإن بث الاعترافات القسرية إلى جانب قطع الإنترنت والعنف ضد المحتجين وتقييد تدفق المعلومات، كلها تشكل عناصر نمط منظم من التعذيب الأبيض والترهيب الممنهج، وهو نمط لا يزال يعد من أبرز تحديات حقوق الإنسان في إيران.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”

